الديرة - الرمادي
المشكلة في العراق ليست في كثرة القوانين، وإنما في طريقة تطبيقها. فالقانون عندنا يشبه شبكة الصيد، لا يقع فيها إلا السمك الصغير، أما الحيتان الكبيرة فإنها تمزقها وتمضي. ولهذا ترى شرطي المرور اليوم شديداً على صاحب الدراجة والكاسب الفقير وسائق التكسي، لكنه يتحول إلى رجل مجاملة إذا مرت أمامه سيارة مسؤول أو موكب تابع لجهة نافذة. عندئذ لا يعود القانون قانوناً، بل يصبح نوعاً من الأدب الاجتماعي الذي يُفرض على الضعيف وحده.
إن المواطن العراقي ليس عدواً للنظام بطبيعته كما يتصور البعض، وإنما هو ابن بيئة تعلم فيها أن القانون يُطبق على قدر منزلة الإنسان لا على قدر المخالفة نفسها. فالشاب البسيط يُغرم لأنه أوقف سيارته دقائق في مكان ممنوع، بينما المسؤول قد يعطل شارعاً كاملاً ولا يجد من يجرؤ على مساءلته، بل ربما نال التحية والابتسام من رجل المرور نفسه. وهكذا يتعلم الناس درساً خطيراً: أن السلطة أعلى من القانون، وأن الاحترام لا يُمنح لمن يطبق النظام بل لمن يملك النفوذ.
ومن هنا نفهم لماذا يتجرأ بعض أفراد الحمايات أو المسؤولين على ضرب شرطي المرور أو التعدي على المواطنين. فالهيبة لا تُصنع بالصفارة ولا بالزي الرسمي، وإنما تُصنع حين يشعر الجميع أن رجل الدولة يقف على مسافة واحدة من الجميع. فإذا رأى المتنفذ أن الشرطي يتراجع أمامه كل يوم، فسوف يعتبر ذلك حقاً طبيعياً له، لا تجاوزاً منه.
ومع هذا لا يجوز التعميم. فقد رأينا اليوم نموذجاً مختلفاً في الأنبار، حين قام رجال شرطة المرور في قاطع الفلوجة بتغريم سيارات حكومية خالفت التعليمات وأعاقت السير. هذه الحادثة تحمل معنى كبيراً، لأنها تقول للمواطن إن الدولة موجودة فعلاً، وإن الموظف العام ليس خادماً للمسؤول بل خادم للقانون. هناك استمد شرطي المرور قوته من إدارة قالت له بوضوح: لا أحد فوق النظام.
وحين يرى المواطن أن سيارة الحكومة تُحاسب كما تُحاسب سيارة الكاسب، فسوف يحترم الشارع من تلقاء نفسه، لأن الناس لا تحترم القانون خوفاً من العقوبة فقط، بل احتراماً للعدالة أيضاً. أما إذا شعر المواطن أن القانون أداة تُستخدم على الضعفاء وحدهم، فسوف تتحول الفوضى إلى عرف اجتماعي، ويصبح تجاوز النظام نوعاً من إثبات المكانة والنفوذ.
إن الفرق بين الدولة والفوضى ليس في وجود القوانين، فالقوانين موجودة في كل مكان، بل في قدرة الدولة على أن تقول للمسؤول والمواطن: انتما سواء امام القانون عندما تقفان عند الأشارة نفسها.