آخر الأخبار


الأنبار: العدالة في ملف توزيع قطع الأراضي

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


احياناً العدالة تاخذ مجراها بتوقيع بسيط من قلم..

لكن بالمعنى تفتح نافذة عظيمة للفقراء والمرضى وحقوقهم في البلد، وهذا مايمكن ان يقال عن محافظ الأنبار عمر الدبوس اليوم، حين قرر أن ينقل ملف توزيع الأراضي السكنية من منطق العادة إلى منطق الحاجة، ومن سقف الامتياز المعتاد إلى أرض الاستحقاق الحقيقي..

بالعراق الناس اعتادت على عادة قديمة ومشهد يتكرر بعمل الدولة: قطعة أرض للموظف، وأخرى لمن لمن له صلة بموقع القرار، وثالثة لمن يعرف كيف يطرق الأبواب الصحيحة في الوقت الصحيح.

الموظف يستحق ايضاً وحقوقه مشروعة، لكن حين تتحول القرارات من نسخة مكررة إلى بوابة شبه حصرية للتمليك، فإنها تنقل الدولة من معنى الخدمة إلى معنى الامتياز، ومن العدالة إلى الاصطفاف. وهنا بالضبط يبرز الفرق الذي أحدثه محافظ الأنبار، إذ لم يذهب إلى الممّر المألوف، بل التفت إلى من كانوا في العادة، آخر من تصل إليهم يد القرار: الفقراء والمرضى، وخصوصاً مرضى الأورام السرطانية.

الموضوع ليس مجاملة سياسية، بل تحول الفكرة لما حلم به المواطن المحتاج في بلده يوماً، وهو وعد الحياة بأرض، بسقف يحمي الأسرة من الايجار، والباب الذي يمنحها شيئاً من الأمان، والوثيقة التي تقول للناس إن الدولة ما تزال قادرة على أن ترى الوجع قبل أن ترى الواسطة. وحين تُخصص الأرض لمن أثقلهم المرض أو أرهقتهم الحاجة، فإن الرسالة تكون أعمق من قرار إداري، هناك مسؤول فهم أن الإدارة ليست توزيع أوراق، بل ترتيب أولويات أخلاقية.

إن ما يحسب للدبوس في هذه الخطوة أنه لم يتعامل مع الملف بوصفه مناسبة لالتقاط صورة أو تسجيل فيديو سريع ينزل على يوتيوب، بل بوصفه اختباراً حقيقياً لفلسفة الحكم المحلي. فالسلطة في أبسط تعريفاتها، ليست امتلاك القرار بل حسن توجيهه. والتميّز هنا لا يأتي من كثرة الخطابات، بل من الجرأة على كسر النمط السائد.

ولأن الأنبار مثقلة فيما مضى بخسارات وتاريخ من الالم تعرض له الأهالي، فإن أي سياسة تلامس الناس مباشرة تكتسب وزناً مضاعفاً من التقدير، فالناس في الفلوجة والخالدية وهيت وبقية المناطق لا يريدون وعوداً كبيرة بقدر ما يريدون محافظ وادارة و مؤسسات تشبه حاجاتهم اليومية. يريدون أن يشعروا أن الدولة لا تأتيهم فقط عند موسم التصريحات، بل عند لحظة السكن، ولحظة العلاج، ولحظة العجز عن دفع الإيجار، ولحظة الوقوف أمام باب مغلق. ومن هذا الباب تحديداً يمكن قراءة القرار، بوصفه محاولة لرد الاعتبار لفئات طال انتظارها طويلاً.

ولعل الأهم أن هذا التوجّه يعيد تعريف المستحق في الوعي العام. فليس المستحق دائماً هو الأقرب إلى الوظيفة، ولا الأعلى صوتاً، ولا الأقدر على التوسل في دهاليز الإجراءات. أحياناً يكون المستحق هو الأضعف، والأشّد حاجة، والأقل قدرة على الوصول. وهذا المعنى، حين تتبنّاه سلطة محلية، فإنه لا يوزع أراضي فقط، بل يوزع شيئاً من الثقة المفقودة بين المواطن والدولة.