الديرة - الرمادي
تضعنا المقارنة بين الانكماش السكاني الحاد في اليابان والانفجار الديموغرافي في العراق أمام مفارقة خطيرة تستدعي الوقوف عندها. ففي الوقت الذي تعاني فيه اليابان من خطر الشيخوخة، يواجه العراق تحدياً لا يقل خطورة، وهو النمو السكاني غير المنضبط الذي يضيف قرابة مليون نسمة سنوياً، ليدفع بالبلاد نحو عتبة مرعبة قد تتجاوز خمسة وستين مليون نسمة بحلول عام ألفين وخمسين، وهو ما يمثل ضغطاً هائلاً على بنية تحتية متهالكة أساساً في قطاعات التعليم والصحة والاقتصاد والخدمات.
في مجتمعنا المحافظ، يكتسب ملف النمو السكاني حساسية بالغة لارتباطه بالفهم السائد للمفاهيم الدينية والاجتماعية التي تحث على التكاثر وتعتبر كثرة الأولاد مصدر قوة وعزوة. وبمنتهى الموضوعية والاحترام لهذه المنظومة القيمية، فإن جوهر المقاصد الشرعية والاجتماعية يرتكز على الكيف لا الكم، وعلى جودة الحياة وصناعة الإنسان الصالح القادر على إعمار الأرض. إن الرعاية الأبوية والمسؤولية الأخلاقية تتطلبان تأمين بيئة كريمة للأبناء، تشمل التعليم الرصين والرعاية الصحية والفرص الاقتصادية المستدامة، وهي أمور تزداد صعوبة مع الزيادة العشوائية للنسل التي تفوق قدرة الدولة والمجتمع على الاستيعاب والتأهيل.
الاستمرار في هذا المسار العشوائي يهدد بتحويل الثروة البشرية من محرك للتنمية إلى عبء اجتماعي واقتصادي كارثي. فالنمو غير المدروس يلتهم أي فرص للنهوض الاقتصادي، ويرفع معدلات البطالة بين الشباب إلى مستويات قياسية، مما يولد بيئة خصبة للأمراض الاجتماعية والفقر والنزاعات والمشاكل الأسرية، فضلاً عن تراجع مستوى التعليم بسبب اكتظاظ المدارس وعجز المنظومة الصحية عن تلبية الاحتياجات الأساسية.
إننا في ديرتنا الأنبارية، وفي عموم العراق، بحاجة ماسة إلى صياغة وعي مجتمعي جديد ينطلق من فكرة التخطيط الأسري المسؤول والمستند إلى مبدأ التوازن بين القدرات المادية والتربوية للأسرة وبين عدد الأفراد. الالتزام بمستقبل الأجيال القادمة وحمايتهم من العوز والجهل والتهميش هو الواجب الشرعي والوطني الأسمى، والمستقبل لا يبنى بكثرة الأعداد بل بنوعية العقول والمهارات والفرص التي نوفرها لأبنائنا ليقودوا مجتمعاتهم نحو الاستقرار والرفاه.