آخر الأخبار


طوفان الشام وعطش العراق: هل تغرقنا النعمة؟

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


تعيش الأوساط الشعبية والرسمية في العراق حالة من الترقب والقلق في ظل تصاعد التحذيرات من احتمالية تدفق موجات فيضانية قادمة من الأراضي السورية، وهو ملف بات يتصدر النقاشات العامة بين تيارين، أحدهما يطلق صيحات تحذيرية شديدة اللهجة تدعو للاستعداد لسيناريوهات كارثية، وآخر يسعى لتهدئة المخاوف واحتواء الهلع باعتبار المؤشرات الحالية تحت السيطرة، وبين هذا وذاك تبرز المطالبات الشعبية والنخبوية بضرورة مكاشفة العراقيين بالحقائق الفنية بعيداً عن التهويل أو التجميد الدبلوماسي.

المعطيات الفنية والميدانية الحالية تشير إلى أن المخاوف تنبع أساساً من التغيرات الأخيرة في حوض الفرات داخل سوريا، الناتجة عن ذوبان الثلوج الكثيفة وموجات الأمطار الربيعية غير المتوقعة، مما أدى إلى ارتفاع مناسيب المياه في السدود السورية بشكل كبير، واضطرار الجهات القائمة عليها إلى تصريف كميات إضافية باتجاه مجرى النهر المتجه نحو الأراضي العراقية، وهذا التدفق المفاجئ هو ما أثار المخاوف من عدم قدرة القنوات والممرات المائية العراقية على استيعاب هذه الموجات، خاصة في المناطق المحاذية للحدود والمحافظات القريبة من مجرى الفرات.

في المقابل، تؤكد الأجهزة العراقية المعنية، وفي مقدمتها وزارة الموارد المائية وخلية الأزمة، أنها اتخذت تدابير احترازية مبكرة ومستمرة على مدار الساعة، فالاستعدادات الحالية تشمل مراقبة دقيقة لمناسيب تدفق المياه عبر محطات الرصد الحدودية، وتنظيف وتطهير مجاري الأنهر والمهارب الفيضانية، بالإضافة إلى تهيئة المنخفضات الكبرى والبحيرات مثل بحيرة سد حديثة ومنخفض الثرثار وبحيرتي الحبانية والرزازة لاستيعاب أي كميات زائدة من المياه، وهذه الإجراءات الفنية تمثل صمامات أمان حقيقية تمنع، بحسب القراءات الرسمية، حدوث فيضانات كارثية تجتاح المدن والمناطق السكنية.

الواقع المائي الحقيقي في العراق خلال الأيام القليلة القادمة يتأرجح بين الحاجة والقدرة، فالعراق عانى لسنوات طويلة من الجفاف الشديد وتراجع خزينه المائي الإستراتيجي إلى مستويات حرجة، وبالتالي فإن وصول كميات إضافية من المياه يُعد في الأصل مكسباً كبيراً لإنعاش الأهوار وتغذية الأراضي الزراعية الجافة، بشرط أن يتم التحكم في توجيه هذه المياه وإدارتها بذكاء هندسي يمنع خروجها عن السيطرة في نقاط الاختناق والممرات الضيقة داخل المحافظات.

الاستنتاج الموضوعي للوضع الراهن يؤكد عدم وجود مؤشرات علمية على فيضان مدمر وشيك يهدد المدن الرئيسية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إمكانية حدوث غمر موضعي لبعض الأراضي الزراعية والتجاوزات العشوائية المقامة على أحواض الأنهر والقرى القريبة جداً من المجرى المائي، وعليه فإن التحذيرات القائمة يجب أن تُفهم في سياق الحيطة والحذر، والابتعاد عن ضفاف الأنهار في المناطق المتوقعة، بينما يظل المطلب الأساسي هو الشفافية الحكومية المستمرة لإطلاع المواطن على حجم الإطلاقات المائية، وتحويل هذه المخاوف إلى فرصة حقيقية لتعظيم الخزين المائي الإستراتيجي للعراق بأمان