الديرة - الرمادي
يختصر الشاب العراقي معاناته اليومية اليوم في كلمة واحدة يبحث عنها في كل مكان: "التعيين". هذه الكلمة لم تعد مجرد رغبة في تأمين المستقبل، بل تحولت إلى ميزان للعدالة المفقودة في نظر جيل يرى أقرانه ينعمون بامتيازات الوظيفة الحكومية، لا لتميز في كفاءة أو اختصاص، بل لأنهم امتلكوا "شفرة" العبور إلى ملاكات الدولة، في وقت يتساءل فيه ملايين الخريجين العاطلين بمرارة: "لماذا يشبع غيري وأجوع أنا، ونحن نحمل الشهادة ذاتها؟".
هذه الأزمة العميقة والخامدة هي نتاج عقلية سياسية كرستها الأحزاب بعد أن جعلت من الوظيفة العامة وسيلتها الأساسية لكسب الجمهور وتثبيت نفوذها الانتخابي، تعويضاً عن افتقارها لخطط حقيقية وعناصر جذب جماهيري. والنتيجة كانت "إغراقاً وظيفياً" مرعباً أصاب جسد الدولة؛ إذ تؤكد المؤشرات الاقتصادية أن مفاصل المؤسسات الرسمية سجلت تضخماً وفائضاً هائلاً في أعداد الموظفين منذ قرابة 10 أعوام، ومع ذلك استمر النظام السياسي في ابتكار الحيل والمسوغات لضخ مئات الآلاف من العقود لدواعٍ حزبية وطائفية ومحسوبية، بعيداً عن أي احتياج فعلي أو معيار للكفاءة.
وتكشف لغة الأرقام الصادمة عن حجم المشكلة الكبيرة التي يواجهها الاقتصاد العراقي اليوم، حيث يُصنف العراق بأنه صاحب أضخم قطاع عام في المنطقة مقارنة بعدد السكان، بعد أن قفز عدد العاملين في القطاع الحكومي من نحو 1.2 مليون موظف قبل عام 2003، ليتجاوز حاجز 4.5 ملايين موظف ومستفيد على الملاكات المختلفة، وهو رقم يفوق حاجة الدوائر الفعلية بنسبة تتجاوز 60% في معظم الوزارات.
هذا التضخم بات يلتهم ما يقارب 80 تريليون دينار عراقي (نحو 60 مليار دولار) سنوياً من الموازنة العامة لتغطية الرواتب والمتقاعدين وشبكة الحماية، مما يعني أن أكثر من 70% من إيرادات النفط تذهب للاستهلاك اليومي دون ترك مساحة لمشاريع الإعمار والبناء، في وقت يضخ فيه نظام التعليم العراقي سنوياً أكثر من 150 ألف خريج جديد إلى سوق عمل متخم بالأساس، يجري تكديسهم دون أي حلول حقيقية لاستيعابهم.
وفي المقابل، يقف القطاع الخاص العراقي عاجزاً ومكبلاً بالكامل عن تقديم أي حلول أو توفير بدائل جاذبة للشباب نتيجة لغياب القوانين الحامية للمنتج وصعوبة الحصول على تمويل، ليبقى الشاب العراقي يرى في الدولة "بيت العمل الوحيد"، مما يرفع من حدة الصرخة المطلبية بالتعيين، ويضع البلاد أمام خيارين أحلاهما مر: فإما الاستمرار في التعيين العشوائي حتى الإفلاس التام عند أول هبوط لأسعار النفط، أو مواجهة طوفان الشباب الغاضب في الشوارع.