الديرة - الرمادي
استعاد القيادي في حزب تقدم، الدكتور ظافر العاني، مشاهد من العادات العراقية المتجذرة في إحياء مناسبة استشهاد سيدنا الإمام الحسين عليها السلام، مستذكراً قدور "القيمة" وموائد النذور و"خبز العباس والدولمة"، بوصفها رموزًا للكرم والألفة والتكافل الاجتماعي، مؤكداً أن العراقيين جعلوا من الطعام لغة للمحبة وجسراً يجمع القلوب قبل الموائد.
وفيما يلي ادناه نص ما كتبه على صفحته في "فيسبوك":
قدورُ القيمة
من بيتٍ إلى بيت، ومن حيٍ إلى حيّ، ومن يدٍ نديةٍ إلى أخرى أندى، تنتقلُ القدور أربعين يوماً متتالية على اختلاف حجومها، والبعض منها لايكفيه أربعة رجال أشداء يحملونه لفرط كبره ، حيث تنضج فيها محتويات "القيمة" على نيران البركة، التي تفوحُ منها رائحةَ المودة مع الهيل، وتختلطُ مكوناتها بدموع المحبين الصادقين وهم يرجون القبول والرحمة. إنها عادةٌ تُحيي معاني الألفة، وتجمع القلوب حولها قبل أن تجتمع الأيادي عليها .
هذه صورة التقطتها مساء اليوم لمركبتين على جسر الطابقين تحملان قدور النذور ولا أعلم من أي منزل جاءت ولا في أي مكان ستحط الليلة، لكني أعرف أنه في الصباح الباكر سيجتمع عليها طالبي البركة والرضى، ومعظمهم سيتمنى لو يناله شرف المساهمة في "درخ" المرق أو غسل القدور بعد فراغها، وفي صدره دعاء بأن يجد الطعام قبولاً عند الله وأن ينال دعاءه الإجابة .
العراقيون في كل مناسباتهم يستخدمون عادةَ توزيع الطعام لمن يعرفونه ومن لايعرفونه، في أحزانهم كما في أفراحهم، وفي أعراسهم كما في مآتمهم ، وهو دلالة على كرم متجذر حتى لتحسبَ أنهم ينتظرون أية مناسبة ليعبروا فيها عن مدى سخائهم. بعضهم يعبر عنها بالقيمة والرز كما في أيامنا هذه، وآخرون كما في مدينتي " الأعظمية" بالزردة والدولمة وخبز العباس في مناسبات غيرها، وآخرون بالبقلاوة والمعجنات ، كل حسب مقدرته والمناسبة التي يحييها .
في هذه الأيام التي تشهد ذكرى استشهاد سيدنا الحسين عليه السلام ، لايكاد أحدٌ يطبخ في بيته إلا أصحاب النذور ، فالطعام ينتقل من يدٍ ليد ومن بيتٍ لآخر ، للفقير وللموسر ، فالغاية ليست الشبع ، وإنما هي البركة التي تأتي مع كل لقمة ، من دون أن يسأل أحدٌ عن من يمدُ يدَه ولا من أينَ جاء. وليس غريباً أن يخامر المرء شعورٌ أن المدينة كلها أصبحت بيتاً واحداً وان أهلها أضحوا عائلةً تتقاسم اللقمة كما تتقاسم الحزن والرجاء .
والآن ؛ دلني على شعبٍ يجعلُ من الطعام جواز مرورٍ للألفة وسفيراً للمحبة... كالعراقيين .