الديرة - الرمادي
حين يطل هلال رمضان على محافظة الأنبار، لا يطل وحده يصطحب معه أجواء لا تشبه سائر الأيام، ولا تجدها في مكان آخر بالكيفية ذاتها، فلأهل الأنبار مع هذا الشهر حكاية متجددة كل عام، مكتوبة بين أسطرها سكينة تتعلق بالسماء، وكرم لا يعرف التوقف، ودموع تسبق هلال الوداع قبل أن يظهر.
ولا ينتظر الأنباريون أذان الفجر ليبدأوا يومهم الرمضاني، فمائدة السحور تجمع الأسرة قبله، في تلك الساعة الهادئة التي تسبق الضوء، حيث تجتمع الأيدي على الطعام والقلوب على الدعاء، وحين تصدح المآذن بكلمة "إمساك"، تتفرق الأسرة باتجاه واحد إلى المسجد.
يصف محمد ناصر يومه الرمضاني بهدوء من اعتاد على هذا الإيقاع منذ سنين: "بعد صلاة الفجر نقرأ ما تيسر من القرآن ثم يتجه كل منا إلى عمله، وقبيل المغرب نجتمع مجدداً، وتمتد أيدينا بالدعاء أن يحفظ الله العراق وأهله وأن يحل الأمن على ربوع بلادنا، ثم نفطر وننطلق إلى التراويح"، جملة تختصر يوماً كاملاً بكل ما فيه من عبادة وعمل وانتظار ودعاء.
ولا يكتفي الأنباريون بإطعام بيوتهم في رمضان، فموائدهم تجدها ممدودة إلى الشوارع والمساجد والكليات والمعاهد، لتستقبل كل من تطأ قدماه الأرض، غنياً كان أم فقيراً، مقيماً أم عابر سبيل.
يتحدث الناشط المدني عبيدة الجميلي عن هذه الموائد بعين من يرى فيها أكثر من طعام: "تمثل هذه الموائد قلوباً تجتمع على المحبة والرحمة وتبث الخير للجميع، ونرفدها بحملات إنسانية مستمرة لمساعدة أسر الشهداء والفقراء والمتعففين، فرمضان عندنا شهر الجود والعطاء قبل أن يكون شهر الصيام".
ومن بين من تطالهم هذه الحملات، أم عامر، الأنبارية التي فقدت ابنها المعيل الوحيد في الحرب، ولم يبق لها سوى إبرة خياطة كفان تجعدتا من تعب السنين.
تقول بصوت فيه خليط من الحزن والامتنان: "في رمضان يأتينا الخير من كل مكان عبر الحملات التي ينظمها رجال وشباب الأنبار، لكن ما يشعرني بالسكينة أصوات المآذن وهي تصدح بالتهليل والقرآن، وهذه الأجواء الرحمانية التي تحيطنا من كل جانب".
ولا تنتهي طقوس الشهر عند الإفطار والتراويح، فالمساجد تعج بمسابقات القرآن الكريم والمهرجانات الشعرية التي تتغنى برمضان وأيامه ولياليه وذكرياته العريقة، والمآذن لا تكاد تصمت، وموائد الإفطار لا تكاد تفرغ، وأينما حللت في الأنبار رمضانياً وجدت من يدعوك إلى مائدته قبل أن يدعوك إلى جلسته.
يرى الشيخ حمد الرفاعي، أحد أئمة وخطباء المحافظة، أن "لرمضان خصوصية لا تشبه أي شيء آخر في نفوس أبناء الأنبار، يفيضون فيه بكرمهم على بعضهم حتى لا يبقى جائع ولا محتاج إلا وأدركته بركة الشهر".