الديرة - الرمادي
لطالما عُرف المطبخ العراقي بابتكاراته، لكن يبدو أن "مطبخ الفساد السياسي" تفوق هذا الموسم على كل التوقعات، وقدم وصفة جديدة لحفظ المال المسروق من الدولة، تحت عنوان: "كبس وتخليل المليارات" لضمان بقائها مقرمشة لأطول فترة ممكنة!
الصورة المسربة من كواليس "صولة الفجر" الأخيرة لم تكن مجرد كشف لأرقام مسروقة، بل كانت جولة في عقلية "المسؤول الفاسد". هذا المسؤول الذي يبدو أنه لا يمتلك أي رؤية، ولا يفقه في لغة تدوير رؤوس الأموال؛ فمنطق الطموح عنده يتلخص في معادلة بدائية جداً: "يسرق أولا، ثم يشتري الدبات لاحقا"!
ولعل صور الأموال التي تعادل موازنة بناء مستشفيات أو تعبيد طرق سريعة، وهي محشوة بعناية فائقة داخل "دبات الماء" الكبيرة و"شياشة الطرشي"، تثبت أن الفاسد العراقي يتعامل مع الدينار والدولار تماما كما يتعامل مع الطرشي أو الخيار المكبوس. يضعها في زجاجات محكمة الإغلاق، ربما ظنا منه أن وضع "رزمة الخمسينات" مع القليل من الماء والملح والخل سيحميها من التلف، أو يساهم في نضوجها لتصبح "حامض حلو" في الأيام العجاف.
الكوميديا السوداء هنا تكمن في الحيرة المستقبليّة، فهؤلاء يسرقون أرقاما لا يمكن لعين بشرية تصريفها في الأسواق المحلية دون إثارة الشبهات، ولا يملكون الذكاء لتهريبها، فيتحول المال العام إلى "مؤونة شتاء" مخبأة في السراديب. المشهد يتركنا أمام تساؤل مشروع: هل كانت المبالغ تُكبس في هذه الدبات لتُقدم كـ "مقبلات" بجانب صفقات العقود الوهمية؟ أم أن الجماعة كانوا يخططون لفتح سلسلة معامل "طرشي المليارات المستورد"؟
عزيزي المواطن.. في المرة القادمة عندما تشتري "دبّة طرشي" من السوق، تفقدها جيداً.. فربما تجد في قاعها جسر مكسور، أو مستشفى غير مكتمل، أو مشروع مجاري تم تخليله بنجاح منذ سنوات!