الديرة - الرمادي
عاد ملف رواتب موظفي الدولة إلى واجهة المشهد العراقي بعد تأخر صرف رواتب شهر تموز، وسط تصاعد المخاوف من أن يتحول التأخير إلى أزمة متكررة، في وقت تتباين فيه التطمينات الرسمية مع التحذيرات التي تصدر بين حين وآخر من بعض الأوساط السياسية والنيابية.
ورغم أن عضو لجنة المالية النيابية عامر نصر الله أكد أن رواتب شهر تموز ستطلق خلال فترة قصيرة، عازيا التأخير إلى إجراءات تدقيق الحسابات والبيانات المالية، فإن الحديث عن أزمة السيولة أعاد طرح تساؤلات أوسع بشأن قدرة الدولة على الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها الشهرية إذا استمرت الضغوط المالية الحالية.
ومن الناحية القانونية والمالية، لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى عجز الدولة عن دفع الرواتب بصورة دائمة، إلا أن المشكلة تكمن في توقيت توفير السيولة النقدية اللازمة لتغطية الإنفاق الشهري.
ويعتمد الاقتصاد العراقي بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية، التي تمثل النسبة الأكبر من إيرادات الدولة، ما يجعل المالية العامة شديدة الحساسية تجاه أي انخفاض في الصادرات أو الأسعار أو أي اضطراب في تدفق الأموال. كما أن ارتفاع حجم الإنفاق التشغيلي يجعل الرواتب تستحوذ على أولوية مطلقة في أي إدارة للسيولة.
لماذا تأخرت الرواتب؟
ويرى مختصون أن الأزمة الحالية ليست ناتجة عن سبب واحد، وإنما عن تداخل ٤ عوامل، أولها الحاجة إلى توفير سيولة نقدية شهرية كبيرة لتغطية رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين، والثاني هو استمرار الضغوط على المالية العامة نتيجة الظروف الاقتصادية والأمنية، فضلا عن الاعتماد شبه الكامل على العائدات النفطية مع ضعف الإيرادات غير النفطية.
والسبب الرابع هو الإجراءات الإدارية والتدقيقية داخل وزارة المالية التي قد تؤخر إطلاق التمويل إلى الوزارات والدوائر المختلفة.
وفي مقابل التصريحات التي تتحدث عن احتمالات استمرار التأخير، تؤكد الجهات الحكومية أن الرواتب مؤمنة، وأن لدى الدولة أدوات لمعالجة أي نقص مؤقت في السيولة عبر إدارة التدفقات النقدية والاستفادة من الموارد المتاحة.
لكن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن استمرار الضغوط على الإيرادات النفطية أو حدوث اضطرابات جديدة في الصادرات أو تدفقات النقد قد يؤدي إلى تكرار حالات التأخير، حتى وإن بقيت الدولة قادرة على دفع الرواتب في نهاية المطاف.
الحلول
ويرى مختصون أن معالجة المشكلة بصورة جذرية تتطلب حزمة من الإجراءات، مثل تنويع مصادر الإيرادات العامة وتقليل الاعتماد على النفط، وزيادة الإيرادات الضريبية والكمركية ومنع تسربها، فضلا عن ترشيد الإنفاق التشغيلي الذي يستهلك الجزء الأكبر من الموازنة، وإصلاح النظام المصرفي وتحسين إدارة السيولة بما يضمن انسيابية دفع الرواتب، بالإضافة إلى إعادة النظر في سياسة التوسع بالتعيينات وربط الإنفاق الجاري بالنمو الحقيقي للإيرادات.