آخر الأخبار


"خروف الأنبار" في مواجهة "طلي الحي" رحلة البحث عن أطيب لحم في العراق

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي



عندما يقف العراقي أمام محل القصابة، لا يكون سؤاله الأول عن سعر اللحم، بل عن منشأ الخروف. “منين هذا؟” سؤال يكاد يتكرر في كل سوق، لأن كثيرا من المستهلكين يربطون جودة اللحم بالمكان الذي تربى فيه الحيوان ونوعية الأعشاب التي رعى عليها، قبل أن ينظروا إلى لونه أو كمية الشحم فيه.

ويقول تجار مواش في سوق علوة الفضيلية ببغداد إن أغنام بادية الأنبار والصحراء الغربية ما تزال تتصدر خيارات شريحة واسعة من المستهلكين، لما تتميز به من لحم قليل الدسم وخفيف الرائحة، نتيجة اعتمادها على المراعي الطبيعية التي تنتشر فيها نباتات الشيح والقيصوم والأعشاب الصحراوية. ويضيفون أن هذا النمط من الرعي يمنح اللحم نكهة مختلفة وقواماً متماسكا، وهو ما يجعل كثيرا من العائلات تفضله للطبخ المنزلي.

وفي المقابل، يشير التجار إلى أن أغنام قضاء الحي في محافظة واسط، إلى جانب الأغنام القادمة من مناطق علي الغربي في ميسان، تمتاز برعيها في الأراضي الزراعية وعلى الأعلاف الخضراء وحقول القمح المنتشرة على ضفاف نهر الغراف، الأمر الذي يزيد من نسبة الشحم ويمنح اللحم طراوة أكبر، لذلك يلقى إقبالا واسعا لدى عدد من مطاعم الكباب والمشاوي التي تبحث عن مزيج متوازن بين اللحم والدهن.

ويؤكد مختصون في تربية المواشي أن اختلاف المرعى لا ينعكس على طعم اللحم فحسب، بل يؤثر أيضا في نسبة الدهون والرطوبة وقوام الأنسجة، وهو ما يفسر اختلاف تفضيلات المستهلكين بين منطقة وأخرى، حتى عند تشابه السلالات.

ويقول قصابون في منطقتي الأعظمية والكرادة ببغداد إن سعر كيلو لحم الغنم المحلي في بغداد ارتفع إلى نحو اثنين وعشرين ألف دينار، بينما ينخفض في القائم وبعض مناطق الرمادي إلى نحو ثمانية عشر ألف دينار، لقربهما من مناطق التربية وقلة تكاليف النقل. ويضيفون أن هذا الفارق السعري يدفع كثيرا من العائلات إلى شراء اللحم من مناطق الغربية عند توفر الفرصة، في حين يفضل أصحاب المطاعم الأغنام ذات الشحم الأعلى التي تناسب المشاوي والكباب.

أما في سوق العجول، فيؤكد بائعون في علوة النجف وسوق الشامية في الديوانية أن لحم العجل البلدي القادم من مزارع التسمين في الحلة والشوملي يحافظ على مكانته بوصفه الخيار الأكثر ملاءمة للطبقة المتوسطة، إذ يبلغ سعر الكيلو الهبر نحو خمسة عشر ألف دينار، وهو أقل من أسعار لحم الغنم، فضلا عن ملاءمته للاستخدام اليومي وإعداد المرق والأكلات الشعبية. كما يشيرون إلى أن عجول ذي قار وميسان تمتاز بلحم طري نتيجة اعتمادها على "الگصيل" والبرسيم في التغذية.

وفي إقليم كردستان، يقول مربو مواشٍ في بنجوين ورانيا بمحافظة السليمانية إن الماعز الجبلي، المعروف محليا باسم “المرعز”، يحتفظ بمكانة خاصة لدى كثير من المستهلكين، لما يتميز به من انخفاض نسبة الدهون وارتفاع كثافة نكهته الناتجة عن رعي الأعشاب الجبلية العطرية. ويضيفون أن سعر الكيلو يتراوح بين ستة عشر وثمانية عشر ألف دينار، وأن الإقبال عليه يزداد بين الباحثين عن لحوم قليلة الدسم.

من جانبه، يقول المتخصص في تجارة المواشي بمحافظة بابل، الحاج أبو علي المعموري، إن حركة نقل المواشي بين المحافظات تمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في الأسعار، موضحا أن نقل الأغنام من القائم أو رانيا أو غيرهما إلى بغداد يضيف تكاليف النقل والسيطرات إلى السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.

ويضيف المعموري أن خبرة القصاب لا تُقاس بجودة التقطيع فقط، بل بقدرته على معرفة منشأ الحيوان وتمييزه، وهو ما ينعكس على ثقة الزبائن. فالمستهلك العراقي لا يشتري كيلوغراما من اللحم فحسب، بل يشتري أيضا سمعة المرعى الذي جاء منه، ولذلك بقي اسم بادية الأنبار، إلى جانب مراعٍ أخرى في العراق، حاضرا بقوة في ذاكرة السوق وذائقة المستهلكين.