الديرة - الرمادي
من شمال العراق إلى جنوبه، لا تبدو الأعلام المرفوعة في الشوارع والساحات مجرد تفاصيل بصرية، بل تعكس في كثير من الأحيان طبيعة القوى والهويات الحاضرة في كل منطقة، وتكشف جانبا من العلاقة بين الدولة والفاعلين السياسيين والاجتماعيين.
في إقليم كردستان، يتصدر علم الإقليم المشهد إلى جانب العلم العراقي، في سياق يرتبط بخصوصية الإقليم ونظامه الدستوري ومؤسساته المحلية. أما في عدد من محافظات الوسط والجنوب، فتتزاحم مع العلم العراقي رايات حزبية ودينية وفصائلية، يزداد حضورها في المناسبات والفعاليات، وأحيانا تبقى معلقة في المجال العام لفترات طويلة.
وسط هذه الخريطة المتنوعة، تقدم الأنبار مشهدا مختلفا بصورة لافتة.
فمن مداخل مدن المحافظة إلى الجسور والساحات والشوارع الرئيسية والمباني الحكومية، يكاد العلم العراقي يكون الراية الوحيدة الحاضرة في الفضاء العام. ولا تظهر إلى جانبه، على نطاق واسع، أعلام حزبية أو فصائلية تنافسه على واجهات المدن أو طرقها الرئيسية.
ولا يبدو هذا المشهد مجرد خيار يتعلق بتزيين المدن، بقدر ما يعكس توجها نحو إبقاء الفضاء العام بعيدا عن الاستعراض السياسي والفئوي، وحصر رمزية المؤسسات والشوارع بالهوية الوطنية الجامعة.
وتكتسب هذه الصورة أهمية إضافية بالنظر إلى التحولات التي شهدتها الأنبار خلال السنوات الماضية. فالمحافظة التي عانت الحرب والدمار والنزوح، تشهد اليوم حركة إعمار وتوسع عمراني، رافقها اهتمام متزايد بصورة المدن ومداخلها وساحاتها.
وفي هذا السياق، تحول العلم العراقي إلى جزء واضح من المشهد الجديد: أعلام تمتد على الطرق والجسور، وأخرى ترفرف فوق الدوائر والمؤسسات وفي الساحات العامة، بما يربط صورة الإعمار والاستقرار برمز الدولة العراقية.
ولا يعني ذلك غياب التنوع السياسي أو الاجتماعي داخل الأنبار، لكنه يعكس فصلا واضحا بين وجود القوى والاتجاهات المختلفة وبين استخدام المجال العام لعرض رموزها.
وهنا تبرز المفارقة العراقية بوضوح: ففي الوقت الذي تعكس فيه بعض المدن تعدد القوى المؤثرة فيها من خلال تعدد الرايات، اختارت الأنبار أن تجعل شوارعها تتحدث بلغة بصرية واحدة.