الديرة - الرمادي
لم تكن الفقرة المتعلقة بـ”الملفات الوطنية” في البيان الأخير للإطار التنسيقي مجرد تفصيل عابر بين فقرات تناولت الأزمة الاقتصادية والكهرباء والكابينة الوزارية، بل بدت بالنسبة لمراقبين بمثابة الإشارة الأوضح إلى قرب إطلاق حوار سياسي جديد داخل ائتلاف إدارة الدولة، يهدف إلى إعادة ترتيب أولويات المرحلة المقبلة بين القوى الشيعية والسنية والكردية.
ففي اجتماعه الدوري الذي عقد في مكتب رئيس تيار الحكمة الوطني عمار الحكيم يوم أمس، أعلن الإطار التنسيقي اتفاقه على إعداد ورقة سياسية تتضمن “أهم الملفات الوطنية” وطرحها داخل ائتلاف إدارة الدولة من أجل التوصل إلى توافقات بشأنها.
وبينما لم يكشف البيان عن طبيعة هذه الملفات، يرى مراقبون أن المقاصد لا تتعلق بملفات خدمية أو إدارية فحسب، وإنما بحزمة من القضايا السياسية والدستورية والأمنية والاقتصادية التي ظلت محل خلاف بين المكونات العراقية منذ سنوات، والتي تسعى القوى الحاكمة اليوم إلى وضعها ضمن إطار تفاهم سياسي جديد يضمن استقرار الحكومة واستمرار التحالفات القائمة.
وبحسب قراءات سياسية، فإن الورقة التي يعتزم الإطار التنسيقي إعدادها قد تمثل نسخة محدثة من التفاهمات التي قامت عليها حكومة ائتلاف إدارة الدولة، لكنها ستأتي هذه المرة في ظل متغيرات جديدة، أبرزها الضغوط الاقتصادية، وتراجع أسعار النفط، والحاجة إلى إصلاحات حكومية، فضلاً عن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ويعتقد مراقبون أن الإطار التنسيقي سيحاول من خلال هذه الورقة الانتقال من إدارة الخلافات اليومية إلى معالجة الملفات الاستراتيجية المؤجلة، بما يضمن استقرار التحالف الحاكم لسنوات مقبلة.
النفط والغاز
في مقدمة الملفات المتوقعة يأتي ملف العلاقة بين بغداد وأربيل، ولا سيما قضايا النفط والغاز والإيرادات المالية ورواتب موظفي إقليم كردستان.
وتسعى قوى الإطار، وفق مراقبين، إلى تعزيز سلطة الحكومة الاتحادية على إدارة الثروات النفطية وتوحيد الإيرادات، فيما تتمسك الأحزاب الكردية بضمان حقوق الإقليم المالية والحفاظ على مساحة من الاستقلالية في إدارة قطاع الطاقة.
كما يُتوقع أن يعود قانون النفط والغاز إلى واجهة النقاشات بوصفه أحد أبرز القوانين المؤجلة منذ سنوات، والذي ترى فيه بغداد وسيلة لتنظيم إدارة الثروة الوطنية، بينما تخشى القوى الكردية من أن يؤدي إلى تقليص صلاحيات الإقليم.
وتشير التقديرات إلى أن القوى الكردية ستدفع بقوة نحو إدراج ملف المادة 140 من الدستور ضمن أي اتفاق سياسي جديد.
ويشمل ذلك قضايا كركوك والمناطق المتنازع عليها في نينوى وديالى وصلاح الدين، وهي ملفات لطالما شكلت مصدر توتر بين بغداد وأربيل.
وفي المقابل، يُرجح أن يتعامل الإطار التنسيقي بحذر مع هذا الملف، بسبب تشابكاته السياسية والقومية، وتعارض المصالح بين الأطراف المحلية المختلفة في تلك المناطق.
إعادة الإعمار واللامركزية
أما القوى السنية، فمن المتوقع أن تركز على ملفات إعادة إعمار المحافظات المحررة، واستكمال عودة النازحين، وزيادة التخصيصات المالية للمناطق التي تضررت خلال الحرب على تنظيم داعش.
كما يرجح مراقبون أن تعيد القوى السنية طرح ملف اللامركزية الإدارية وتوسيع صلاحيات الحكومات المحلية، باعتباره أحد المطالب الأساسية التي تتبناها منذ سنوات.
وفي حين لا يُتوقع أن يعارض الإطار التنسيقي زيادة صلاحيات المحافظات في الجوانب الخدمية والإدارية، فإنه قد يتحفظ على أي مقترحات يراها تمس مركزية الدولة أو تفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة في المحافظات.
ومن بين أكثر الملفات حساسية، يبرز ملف الحشد الشعبي ومستقبل المنظومة الأمنية العراقية.
فالإطار التنسيقي ينظر إلى الحشد باعتباره مؤسسة رسمية يجب تعزيز دورها وتثبيت مكانتها القانونية والإدارية، بينما تبدي القوى السنية والكردية تحفظات تتعلق بانتشار الفصائل المسلحة في بعض المناطق وضرورة تعزيز حصرية السلاح بيد الدولة.
ويرى مراقبون أن هذا الملف قد يُطرح ضمن إطار أوسع يتعلق بإصلاح المؤسسات الأمنية وتنظيم العلاقة بين مختلف التشكيلات العسكرية، بما يخفف من حدة الخلافات السياسية حوله.
العفو العام والملفات القضائية
كما يتوقع أن يحضر ملف العفو العام والملفات القضائية في أي مفاوضات سياسية مقبلة، نظراً لأهميته بالنسبة للقوى السنية.
وتطالب القوى السنية بإعادة النظر في عدد من الملفات القضائية وتوسيع نطاق المعالجات القانونية، فيما تتحفظ أطراف داخل الإطار التنسيقي على أي خطوات يمكن أن تشمل قضايا مرتبطة بالإرهاب أو الجرائم الكبرى.
ويُنظر إلى هذا الملف باعتباره من أكثر القضايا تعقيداً وصعوبة في الوصول إلى تسوية شاملة بشأنها.
الاقتصاد والكهرباء.. نقطة التقاء محتملة
وعلى خلاف الملفات السياسية والأمنية، تبدو القضايا الاقتصادية الأقل إثارة للخلاف بين الشركاء السياسيين.
فالبيان الأخير للإطار التنسيقي منح مساحة واضحة لأزمة الكهرباء والإصلاح الاقتصادي وقوانين العمل والضمان الاجتماعي، وهو ما يراه مراقبون مؤشراً على أن الورقة المرتقبة ستتضمن برنامجاً اقتصادياً مشتركاً يركز على تنشيط القطاع الخاص، وتحسين خدمات الطاقة، وتوفير فرص العمل، وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.
ويرى مراقبون أن عبارة “الملفات الوطنية” الواردة في بيان الإطار التنسيقي تحمل دلالات أوسع من مجرد التنسيق الحكومي، إذ تعكس توجهاً نحو صياغة تفاهمات سياسية جديدة بين القوى الشيعية والسنية والكردية حول القضايا الخلافية الكبرى.
وفي حال نجحت هذه المساعي، فإن الورقة المرتقبة قد تتحول إلى خريطة طريق سياسية للمرحلة المقبلة، تقوم على تبادل التنازلات بين الأطراف المختلفة؛ فالإطار يسعى إلى تثبيت الاستقرار الحكومي وترتيب الملفات الأمنية والاقتصادية، بينما يطمح الشركاء الكرد إلى ضمانات تتعلق بالنفط والمناطق المتنازع عليها، وتبحث القوى السنية عن مكاسب مرتبطة بالإعمار واللامركزية والملفات القانونية.
وعليه، فإن أهمية الورقة لا تكمن فقط في الملفات التي ستتضمنها، بل في قدرتها على إنتاج توافق سياسي جديد داخل ائتلاف إدارة الدولة، في وقت يواجه فيه العراق تحديات اقتصادية وأمنية واستحقاقات سياسية قد تجعل من التوافق ضروريا الان أكثر من أي وقت مضى.