آخر الأخبار


بين الكاميرا والحقيقة.. سمعة الناس تحت رحمة التعليقات

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي



بات مشهداً متكرراً على فيسبوك: شخص يفتح كاميرا هاتفه ويبدأ بسرد ما جرى معه قائلاً:

"شوفوا فلان شسوى بيّه"، "فلان ضربني"، "هذا حقي"، "انشروا حتى يوصل صوتي".


وخلال دقائق، يتحول خلاف بين شخصين إلى قضية يتابعها المئات وربما الآلاف، وتتوالى التعليقات والمشاركات، قبل أن يصدر جزء من الجمهور حكمه سريعاً، رغم أنه لم يسمع سوى رواية واحدة.


المشكلة ليست في توثيق شخص لما تعرض له أو محاولته إيصال مظلمته، فقد تكون مواقع التواصل وسيلة مهمة لكشف قضية أو لفت أنظار الجهات المعنية، لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول رواية صاحب الكاميرا إلى حقيقة مكتملة لدى المتابعين.


فالمشاهد لم يكن موجوداً أثناء الحادث، ولا يعرف ما الذي سبق تشغيل الكاميرا، ولم يسمع الطرف الآخر، ولا يمتلك الأدلة أو التفاصيل الكاملة، ومع ذلك قد يقرر خلال ثوانٍ أن هذا مظلوم وذاك معتدٍ.

وهنا يظهر تأثير ما يعرف بـالعقل الجمعي، فعندما تتجه عشرات التعليقات نحو رأي واحد، يندفع آخرون إلى تبني الموقف نفسه من دون التوقف عند سؤال بسيط: هل نعرف فعلاً من صاحب الحق؟


تعليق غاضب يتبعه آخر، ثم تتوسع دائرة الإدانة، ومع كثرة المشاركات يتحول كلام طرف واحد إلى قناعة جماعية، وكأن حجم الانتشار أصبح دليلاً على صحة ما يُقال.


والأخطر أن الأمر لا يتوقف عند التعاطف، بل يصل أحياناً إلى السب والشتم والتجريح والتشهير بالطرف الآخر، وقد تُنشر صورته واسمه ومكان عمله، لتنهال عليه الإساءات من أشخاص لا يعرفونه أصلاً، ولم يشاهدوا سوى مقطع قصير يعرض جانباً واحداً من المشكلة.


وخلال ساعات، قد تتضرر سمعة شخص وعائلته وعمله وعلاقاته الاجتماعية، بينما لم تتضح الحقيقة بعد، ولم يُسمع دفاعه، ولم تُعرض الوقائع أمام جهة مختصة.


وقد تظهر لاحقاً رواية أخرى أو تسجيلات ومعلومات تقلب صورة القضية بالكامل، لكن الضرر الذي صنعته التعليقات والمشاركات يكون قد وقع بالفعل؛ فالحقيقة قد تتأخر، بينما ينتشر التشهير بضغطة واحدة.


كما أن صاحب الكاميرا يمتلك أفضلية واضحة، فهو أول من يقدم روايته، وأول من يصنع الانطباع، وقد يكون أكثر قدرة على استدرار التعاطف، فيما يصل الطرف الثاني متأخراً بعد أن يكون الحكم الاجتماعي قد صدر بحقه.


هذه الظاهرة لا تؤثر في طرفي النزاع فقط، بل تترك أثراً اجتماعياً أوسع، لأنها تعزز ثقافة الحكم السريع، وتحول الخلافات الشخصية إلى ساحات عامة، وتضع سمعة الناس أمام جمهور لا يمتلك معلومات حقيقية عن أصل المشكلة.


ومن يتعرض لاعتداء أو ظلم يمتلك طريقاً قانونياً واضحاً يتمثل في تقديم شكوى واللجوء إلى القضاء والجهات الأمنية المختصة، مع إرفاق التسجيلات والشهادات والأدلة المتوافرة، بدلاً من طرح القضية أمام جمهور لا يملك صلاحية التحقيق أو إصدار الأحكام.


فالجهات المختصة تستطيع استدعاء الطرفين، والاستماع إلى الشهود، وفحص الأدلة، والتحقق من التسجيلات، ثم تحديد المسؤولية وفق القانون. أما فيسبوك، فيستطيع إيصال الصوت، لكنه لا يستطيع وحده معرفة صاحب الحق، ولا يعرف ماذا حدث قبل تشغيل الكاميرا.


واللجوء إلى القضاء لا يعني منع المظلوم من إيصال صوته، بل يضمن أن تتحول مظلمته إلى قضية قائمة على الأدلة، ويحفظ حقه وحق الطرف الآخر بعيداً عن التشهير والمحاكمات الشعبية.

فليس كل من صوّر مظلوماً، وليس كل من ظهر في المقطع مداناً، ولا تصبح الرواية حقيقة لمجرد انتشارها. 


قد يكون صاحب الكاميرا محقاً، وقد يكون الطرف الآخر صاحب حق لم تتح له فرصة الكلام، وبين الاحتمالين تبقى الكلمة مسؤولية، والمشاركة موقفاً، والتشهير ضرراً قد يتعذر إصلاحه.

إنصاف المظلوم لا يبدأ بشتم شخص لم نسمعه، بل بإيصال القضية إلى القضاء وانتظار اكتمال الأدلة.


 ففيسبوك مساحة للنشر وليس محكمة، وعدد المشاركات لا يصنع دليلاً، والعقل الجمعي مهما ارتفع صوته لا يصنع حقيقة.


لذلك، عندما نشاهد شخصاً يقول: "شوفوا فلان شسوى بيّه"، ربما يكون الأجدر قبل أن نشارك أو نشتم أو نصدر حكماً أن نسأل: هل عرفنا فعلاً ماذا حدث.. أم أننا عرفنا فقط ما أراد صاحب الكاميرا أن نراه؟