آخر الأخبار


رحيل مالك سلسلة مطاعم “الطبيخ” سالم دخو الذي وضع المطبخ العراقي على مائدة العالم

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


لم يكن “الطبيخ” بالنسبة لكثير من العراقيين مجرد اسم مطعم، بل اسما ارتبط طوال عقود بطبق الدولمة والقوزي والتشريب والباقلاء بالدهن والسمك المطبك، وبفكرة بسيطة نجحت في التحول إلى علامة عراقية معروفة: أن تقدم للناس ما اعتادوا أن يجدوه على مائدة البيت العراقي، داخل مطعم يحمل هوية البلد ونكهته.

ومساء الأحد 23 آب 2026، رحل سالم إيليا دخو، صاحب سلسلة مطاعم “الطبيخ”، في مستشفى مريمانة بعنكاوا في أربيل، بعد وعكة صحية تعرض لها قبل أيام، عن نحو 69 عاماً. ودخو من مواليد عام 1957 ومن أهالي قضاء تلكيف في محافظة نينوى.


من شارع السعدون بدأت الحكاية

تعود جذور مطعم “الطبيخ” البغدادي إلى عام 1973، حين ظهر المطعم في شارع السعدون وسط بغداد، في منطقة كانت يومها واحدة من أكثر مناطق العاصمة حيوية، ومركزا للفنادق ودور السينما والمطاعم والمقاهي.

ومع السنوات، أصبح اسم المطعم جزءا من ذاكرة المكان إلى درجة أن سجلات وأدلة قديمة كانت تستخدم “شارع مطعم الطبيخ” للدلالة على موقع في منطقة البتاويين، وهو مؤشر على الشهرة التي اكتسبها الاسم وتحوله من مجرد محل تجاري إلى علامة يعرف بها المكان.

وخلافا لمطاعم كثيرة اعتمدت على المشويات أو الأطباق السريعة، بنى “الطبيخ” هويته بصورة أساسية حول الطعام العراقي نفسه، محولا أطباقاً كانت مرتبطة في الغالب بمطبخ المنزل إلى قائمة مطعم ثابتة يمكن أن يقصدها العراقي لتناول وجبة تشبه ما يصنع في البيت.


المطبخ العراقي يدخل المطعم

ربما كانت هذه واحدة من أهم بصمات تجربة “الطبيخ”.

فالمطبخ العراقي غني بصورة استثنائية، لكن الكثير من أطباقه الرئيسية معقدة التحضير وتحتاج ساعات طويلة، ولذلك بقيت أكلات مثل الدولمة والقوزي والشيخ محشي والمقلوبة والتشريب والمطبك مرتبطة لعقود بالبيت والمناسبات أكثر من ارتباطها بثقافة المطاعم الحديثة.

لكن "الطبيخ” ساهم في كسر هذه القاعدة، وقدم نموذجا تجاريا يقوم على أن يكون الطعام العراقي التقليدي نفسه هو المنتج الرئيسي، لا مجرد طبق جانبي في قائمة طويلة من المشويات والأطعمة العربية العامة.

وحتى وجبة الإفطار ظلت تحمل الهوية المحلية، مع الباقلاء بالدهن والمخلمة وغيرها من الأطباق التي أصبحت جزءا ثابتا من قائمة المطعم إلى جانب القوزي والدولمة والمقلوبة واللحوم والمشويات.


من بغداد إلى الخارج

ومع موجات الهجرة العراقية واتساع وجود العراقيين خارج البلاد، خرج اسم “الطبيخ” بدوره من بغداد.

وتشير المعلومات المنشورة عن السلسلة إلى انتشار اسمها في بغداد وأربيل والسليمانية والرمادي ومدن أخرى، وصولا إلى مدن عربية وأوروبية وأميركية، فيما توثق كتابات أقدم وجود مطعم عراقي باسم “الطبيخ” في منطقة الرابية في العاصمة الأردنية عمان، كان معروفا لدى العراقيين هناك ويقدم الدولمة والشوربة والمشويات والأطباق العراقية.

هذه الرحلة من شارع في بغداد إلى مدن يعيش فيها العراقيون تحمل دلالة أوسع من نجاح مشروع مطعم، فقد تزامنت مع انتقال ملايين العراقيين إلى الخارج، وحملهم معهم ذائقتهم وحنينهم إلى الطعام الذي يعرفونه.


لماذا نجح “الطبيخ”؟

لم يختر المطعم اسما فخما أو أجنبيا. حتى الاسم كان عراقيا ومباشرا: “الطبيخ”.

والكلمة نفسها تختصر الفكرة كلها، الطعام المطبوخ الذي يعرفه العراقي في بيته، بما فيه من مرق وأرز ولحم وخضار وبهارات ونكهات ثقيلة يصعب اختزالها في مفهوم الوجبات السريعة.

ونجاح التجربة كان في تحويل هذه الهوية إلى “براند” قبل أن تصبح كلمة البراند شائعة في السوق العراقية، والمحافظة على اسم واحد يمكن للعراقي التعرف إليه بسهولة داخل العراق وخارجه.

وفي زمن اتجهت فيه مطاعم المنطقة إلى استنساخ أسماء ووصفات وتجارب عالمية، ظل “الطبيخ” يبيع شيئا عراقيا جداً: ذاكرة المائدة.