آخر الأخبار


“نحتفي بالعربي ونقيد العراقي” أحمد نعمة يفتح ملفا مسكوتا عنه في الثقافة العراقية

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


فتح الفنان العراقي أحمد نعمة ملفا يتجاوز مظاهر الحفاوة التي يلقاها الفنانون والمثقفون العرب عند زيارتهم العراق، ليطرح سؤالا أكثر حساسية عن موقع الفنان والمثقف العراقي داخل بلده، وما إذا كانت مؤسسات الدولة تمنح الضيف العربي من الاهتمام والاحتفاء ما لا تمنحه لأصحاب التجارب العراقية نفسها.

وجاء موقف نعمة بالتزامن مع حراك ثقافي واسع تشهده بغداد واستضافات عربية متعددة، إذ يستقبل معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته الحالية شخصيات فنية وأدبية وفكرية من دول عربية مختلفة، من بينها الفنانون السوريون عباس النوري وأيمن زيدان وفايز قزق، والفنان المصري بيومي فؤاد، إلى جانب روائيين وباحثين وكتاب عرب وأجانب.

ولم يعترض نعمة على هذه الاستضافات بحد ذاتها، بل حرص على تأكيد أن العراق معروف بكرم الضيافة والحفاوة التي يحيط بها الفنان العربي، قائلا “أهلا بهم في بلدهم الثاني”، قبل أن ينقل اعتراضه إلى ما وصفه بالمبالغة في الاهتمام، وإلى انتقاء بعض الشخصيات الأدبية العربية وفق اعتبارات تتعلق بتطابق أفكارها مع توجهات الدولة.

ويكتسب هذا الاعتراض ثقله من توقيته، إذ أعلنت وزارة الثقافة قبيل افتتاح معرض بغداد الدولي للكتاب اهتمامها باستضافة “الشخصيات النخبوية والبارزة”، فيما حظيت زيارات بعض الضيوف العرب ببرنامج من اللقاءات والجولات والتغطية الرسمية، ومن بينها زيارة الفنان السوري عباس النوري الذي استقبلته المؤسسات الثقافية وتجول في أجنحة الوزارة والتقى مسؤولين ثقافيين وجمهور المعرض.

ولا تمثل الحفاوة بالنوري أو غيره مشكلة في طرح نعمة، بقدر ما يستخدم الفنان العراقي هذه المشاهد للمقارنة مع البيئة التي يعمل داخلها هو نفسه، في وقت توسعت فيه خلال السنوات الأخيرة منظومة الضوابط والمتابعة للمحتوى الفني والإعلامي المحلي.

وخلال العام الحالي، شكلت هيئة الإعلام والاتصالات غرفة عمليات لمتابعة الأعمال الدرامية العراقية طوال شهر رمضان، وطلبت حلقات من مسلسل “حمدية” لمراجعتها، مؤكدة قدرتها على اتخاذ إجراءات تصل إلى حذف المواد المخالفة أو إيقاف بثها، فيما أعلنت وزارة الشباب والرياضة مطلع العام منع إقامة الحفلات الغنائية في المنشآت التابعة لها “حالياً أو مستقبلا”.

ويعيد نعمة هذا التناقض إلى تجربة شخصية شديدة الدلالة بالنسبة إليه، مستذكرا الفنان العراقي الراحل كنعان وصفي، أحد أبرز العراقيين الذين حققوا حضورا في السينما المصرية، وصاحب عشرات الأدوار السينمائية ومئات الأعمال الغنائية والتلحينية.

ويروي نعمة أن وصفي عاد من مصر في إحدى المرات حاملا منجزا فنيا كبيرا، فاستقبلته وزارة الثقافة والدولة آنذاك بحفاوة وصلت، بحسب روايته، إلى نقله بسيارة الوزير نفسه، قبل أن تتبدل الحال مع مرور السنوات، ليصبح الفنان الكبير عائدا إلى منزله بواسطة حافلات مصلحة نقل الركاب، أو بسيارة أحمد نعمة الخاصة بعد انتهاء دوامه في قسم الموسيقى بالإذاعة والتلفزيون.

ويملك أحمد نعمة نفسه تجربة تغذي هذا الشعور، إذ سبق أن تحدث عن تهميش جيل الثمانينيات، وكشف في حوار صحفي أن عملا غنائيا له بعنوان “حلوة يا بغداد” سجل وصور لمصلحة قناة العراقية، لكنه لم يُعرض، قائلا إنه لا يعرف سبب عدم بثه.

ويذهب منشور نعمة، في جانبه الأكثر حساسية، أبعد من قضية الفنانين إلى المثقفين والأدباء والإعلاميين، حين يتحدث عن اختيار شخصيات عربية تتقاطع أفكارها مع سياسة الدولة مقابل تقييد فكر العراقي، وهي تهمة تطرح سؤالا مشروعا حول المعايير التي تعتمدها المؤسسات الحكومية في اختيار ضيوفها الثقافيين، وما إذا كان التنوع الفكري جزءا منها أم أن التقارب مع الخطاب الرسمي يمنح بعض الأسماء أفضلية.