الديرة - الرمادي
رهان كبير وجريء يضعه محافظ الأنبار عمر مشعان الدبوس على طاولة المحاسبة العامة، بإطلاق خطة المئة يوم بوصفها اختباراً عملياً لجدية الإصلاح وقدرة الإدارة المحلية على الانتقال من الوعود إلى النتائج.
سقف التوقعات ارتفع منذ اللحظة الأولى، مع إعلان واضح أن المرحلة ستخضع لمعايير قياس أداء دقيقة ومعلنة، وأن التقصير سيواجه بإجراءات إدارية مباشرة، بما في ذلك الإعفاء أو الاستبدال.
الخطة تنطلق من تدقيق شامل لأداء الدوائر الحكومية، عبر مؤشرات تتعلق بسرعة إنجاز المعاملات، نسب الحضور والانضباط، حجم الشكاوى المسجلة، ومستوى الاستجابة الميدانية. جداول زمنية أسبوعية للإنجاز، واجتماعات تقييم دورية، وربط استمرار المسؤولين بنتائج ملموسة على الأرض. هذا التحول من الإدارة الورقية إلى الإدارة القائمة على القياس يمنح المشروع بعداً مؤسسياً يتجاوز الطابع الدعائي.
في مدينتي الرمادي والفلوجة وهيت وحديثة، تركزت الأولوية على ملف المياه بوصفه اختبارا حقيقياً لثقة الشارع. صيانة خطوط النقل الرئيسة، تأهيل محطات الضخ، معالجة الكسور والتجاوزات، وزيادة ساعات التجهيز في الأحياء الأكثر تضرراً. فرق فنية تعمل بنظام المناوبات لتقليل الهدر ومعالجة الأعطال الطارئة خلال ساعات، مع متابعة ميدانية مباشرة لقياس تحسن الإمدادات.
وفي الحبانية وعنة وراوة والقائم والكرمة، ومناطق أخرى، انتقلت البلديات إلى نمط عمل مكثف يشمل حملات رفع الأنقاض، فتح الطرق المغلقة، صيانة شبكات الصرف، وتحسين الإنارة العامة. آليات ثقيلة نُشرت في الشوارع الرئيسة، وخطط تنظيف دورية للأحياء المكتظة، في محاولة لإعادة الانضباط للمشهد الحضري ورفع مستوى الخدمات اليومية.
الملف السكني كان حاضرا بقوة ضمن خطط الدبوس، عبر مشروع إنشاء خمسة آلاف وحدة سكنية لمحدودي الدخل، مع تخصيص أراضٍ مخدومة وربطها بشبكات الماء والكهرباء والطرق. المشروع يستهدف الشرائح الأكثر هشاشة، ويعالج تراكمات سنوات من أزمة السكن، عبر مقاربة تقوم على البناء العمودي المنظم وتقليل العشوائيات.
أما البنية التحتية الاستراتيجية، فتتجسد في طريق يربط راوة بـالحضر، بما يعزز الربط بين غرب الأنبار ومحيطها، ويدعم حركة التجارة والنقل ويختصر كلف الشحن. الطريق، إلى جانب حزمة طرق مماثلة يجري العمل عليها حاليا، يمثل شرياناً اقتصادياً يفتح فرصاً استثمارية جديدة، ويعيد تموضع المحافظة على خارطة التنمية الإقليمية.
مجمل هذه الإجراءات يعكس انتقالا من إدارة الأزمات إلى المبادرة، ومن الخطاب العام إلى البرامج المحددة زمنياً والقابلة للقياس. الأنبار تدخل مرحلة اختبار حقيقي لقدرتها على تثبيت نموذج إداري أكثر انضباطا، وأكثر اقترابا من حاجات المواطن اليومية، وأشد وضوحاً في معايير المحاسبة والنتائج.