آخر الأخبار


شاب من الجنوب: لماذا انتخب الرئيس الحلبوسي؟

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


بعد الانتخابات الأخيرة عاد النقاش من جديد حول المرشحين والقوائم والأحزاب التي قدمت نفسها للناس. ومن ذلك، أن عددا من رواد مقهى "أبو حالوب" في الكرادة، كانوا يتبادلون الحديث عن نتائج الانتخابات، وعن فكرة بدأت تتردد كثيراً بين الشباب: أن التصويت على أساس المذهب لم يعد مجدياً كما كان يظن البعض في السنوات الماضية.

قال أحد الحاضرين إن كثيراً من الشباب راهنوا لسنوات على سياسيين يتحدثون باسم الدين والمذهب، وانتخبوهم في أكثر من دورة انتخابية، على أمل أن تتغير أحوال المدن والخدمات وفرص العمل. لكن الواقع، كما قال، بقي على حاله؛ فالمدن لم تتغير كثيراً، والبطالة ما زالت تثقل كاهل الشباب، وحتى الشوارع في أحيائهم بقيت كما هي.

وهنا، تدخل شاب كان يجلس بينهم، وقال إنه من جنوب العراق ويعمل في جانب الكرخ ببغداد. أوضح بهدوء سبب اختياره في الانتخابات قائلاً إنه انتخب الرئيس محمد الحلبوسي، لا لسبب ديني أو مذهبي، بل لأنه يرى في تجربته نموذجاً مختلفاً عما اعتاد الناس عليه.

قال الشاب إنه شيعي، لكنه يعتقد أن ما شهدته محافظة الأنبار في السنوات الأخيرة من إعمار واستقرار يمكن أن يكون مؤشراً على قدرة القيادة الواعية حين تتوفر الإرادة السياسية. وأضاف أن فكرة فسح المجال لقيادات جديدة قد تكون خطوة ضرورية لكسر حالة الجمود التي عاشتها البلاد لسنوات.

وأشار أيضاً إلى أن الخطاب الذي يتبناه الرئيس الحلبوسي يُنظر إليه على أنه خطاب معتدل، لا يقوم على إثارة الانقسام الطائفي، بل يحاول تقديم نفسه بوصفه خطاباً سياسياً يتحدث عن الدولة والخدمات والإعمار أكثر مما يتحدث عن الهويات الفرعية.

ووافقه شخص آخر في المقهى على هذا الرأي، قائلاً إن "اللافت في تجربة الحلبوسي أن حملات التسقيط التي يتعرض لها لا تأتي فقط من خصومه التقليديين، بل أحياناً من سياسيين في بيئته السياسية نفسها". ومع ذلك، بحسب رأيه، فإنه لم ينجر إلى خطاب طائفي في مواجهة تلك الحملات.

وبطبيعة الحال، لا يوجد في السياسة شخص معصوم من الخطأ، فالتجربة السياسية في العراق معقدة وتواجه تحديات كبيرة. لكن كثيرين يرون أن قدرة أي سياسي على الجمع بين خطاب معتدل ومحاولة تقديم نموذج إداري مختلف قد تمنحه مساحة أوسع من القبول لدى شرائح متعددة من المجتمع.

واللافت أن كثرة الخصوم قد تتحول أحياناً إلى عامل يزيد من حضور أي شخصية سياسية في النقاش العام، حتى لدى أشخاص لا ينتمون إلى بيئتها السياسية المباشرة. وهذا ما يراه بعض المراقبين مؤشراً مهماً؛ فحين يجد سياسي ما قبولاً لدى الفقير والمهمَّش والمضطهد، فإن ذلك يعني أنه لامس جزءاً من آمالهم وتطلعاتهم.

وفي بلد مثل العراق، حيث تتداخل السياسة مع الهويات والانقسامات الاجتماعية، قد يكون التحول الحقيقي حين يبدأ الناس بالتصويت لما يعتقدون أنه مشروع دولة وخدمات وإعمار، لا لمجرد الانتماء الطائفي أو الحزبي.

ولهذا يرى كثيرون أن النقاش الذي دار في مقهى صغير في هذا المقهى البغدادي، يعكس في الحقيقة تحوّلاً أوسع في طريقة تفكير بعض العراقيين: البحث عن الكفاءة والإنجاز، قبل البحث عن الهوية السياسية أو المذهبية. وربما يكون هذا التحول، إن استمر، خطوة صغيرة في طريق طويل نحو تغيير أكبر ينتظره العراقيون منذ سنوات.