الديرة - الرمادي
تجاوزت الإدارة الأمريكية الحالية الصياغات التقليدية للدبلوماسية في الشرق الأوسط، لتنتقل إلى مرحلة "الرجل الواحد والمظلة المترابطة" عبر حزمة تفويضات رئاسية غير مسبوقة مُنحت لـ "توم باراك"، وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً في بنية التخطيط السياسي الأمريكي للمنطقة.
معادلة التفويض الرئاسي المباشر
في الميزان السياسي داخل واشنطن، يخضع التمثيل الخارجي لتراتبية صارمة تحدد حجم النفوذ؛ فبينما يتحدث السفير كلسان حال للدولة، ويمثل المبعوث الخاص رؤية وزارة الخارجية، يأتي "المبعوث الرئاسي المباشر" ليكون الصوت الممتد لرئيس البلاد نفسه وظله المفوض في صياغة التفاهمات. وبجمع باراك لهذه الصفات الثلاث، نجحت واشنطن في اختصار البيروقراطية السياسية، ليتحول سفيراً في أنقرة ومبعوثاً رئاسياً يمسك بخيوط القرار في بغداد ودمشق، متمتعاً بثقة مطلقة من الرئيس دونالد ترامب تمتد لعقود من العمل في عالم المال والسياسة.
إلغاء "الجزر المنفصلة" وهندسة الميدان
المؤشر الأبرز في هذا الصعود هو قناعة البيت الأبيض بعدم جدوى التعامل مع ملفات المنطقة كأزمات منفصلة؛ فالحدود، والأمن الإقليمي، وملفات الطاقة، وإعادة الإعمار، ومستقبل الفصائل المسلحة، والملف الكردي، باتت كلها تُقاد كساحة واحدة متشابكة. في سوريا، تولى باراك إدارة المرحلة الانتقالية الكبرى وترتيبات ما بعد سقوط نظام الأسد بالتنسيق مع الجانب التركي، لينتقل بثقله الإستراتيجي فوراً نحو الساحة العراقية محققاً اختراقاً سياسياً لافتاً تمثل في هندسة التوازنات التي مهدت لولادة حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، مغلقاً الباب أمام عودة الوجوه التقليدية وفي مقدمتها نوري المالكي.
المشرق العربي تحت المجهر
باراك -المنحدر من أصول لبنانية- لا يتعامل مع مناصبه كموظف دبلوماسي عابر، بل كحاكم إستراتيجي لرؤية "أمريكا أولاً" في مثلث النفوذ الحرج (تركيا، سوريا، العراق). هذا التمدد الإداري يعني أن عواصم المنطقة لم تعد تتحرك في فضاءات معزولة، بل أصبحت خطوطاً متقاطعة على طاولة رجل واحد يمتلك القدرة على اتخاذ القرار اللحظي والمباشر من الميدان إلى غرف البيت الأبيض المغلقة.