الديرة - الرمادي
لو سار أحد اليوم في مدن الأنبار، وتأمل وجوه الشباب الخارجين من الجامعات والمعاهد، للاحظ حقيقة يصعب تجاهلها: هناك جيل كامل يتجه نحو الحاسوب، كما كانت أجيال سابقة تتجه نحو النفط أو الهندسة أو الوظيفة الحكومية.
هذا الجيل لا يحلم بالبندقية، بل بلوحة المفاتيح.
ولا يبحث عن المتاريس، بل عن شاشة مضيئة يستطيع عبرها أن يكتب مستقبله.
خلال السنوات الأخيرة شهدت كليات الحاسوب وتقنيات المعلومات في الأنبار، وكذلك طلاب المحافظة في الجامعة التكنولوجية في بغداد، ارتفاعاً لافتاً في نسب النجاح والتفوق. وهي أرقام لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد نتائج امتحانات، بل بوصفها مؤشراً على تحوّل اجتماعي هادئ يجري في عمق المجتمع.
فالشباب في أقضية المحافظة، من الفلوجة إلى الرمادي، ومن هيت إلى القائم، باتوا يرون في التكنولوجيا لغة العصر الوحيدة التي يمكن أن تفتح لهم أبواب العالم.
لكن هنا تظهر المفارقة.
فالجيل الذي يتعلم الحاسوب بجدية، لا يجد في مدنه المكان الطبيعي الذي يحتضن هذا العلم.
في بغداد، هناك شارع يعرفه كل من يقترب من عالم التكنولوجيا: شارع الصناعة.
وليس شارعاً عادياً، بل منظومة كاملة؛ محال للحواسيب، شركات صيانة، مكاتب برمجة، متاجر للقطع الإلكترونية، وأشخاص يتحدثون لغة التقنية كما يتحدث التجار لغة السوق.
ذلك الشارع لم يُبنَ بقرار رسمي فقط، بل صنعته الحاجة وتراكم الخبرة، حتى صار أشبه بمدينة صغيرة داخل المدينة.
أما الأنبار، ورغم طاقاتها البشرية المتزايدة في مجال الحاسوب، فما تزال تفتقر إلى فضاء مماثل.
إن إنشاء شارع أو منطقة متخصصة بالحواسيب والبرمجيات في الأنبار ليس مشروعاً تجارياً فحسب، بل مشروع اجتماعي وثقافي أيضاً. فالمكان، حين يجتمع فيه المبرمجون والطلبة والتقنيون، يتحول تدريجياً إلى مركز معرفة، ومختبر أفكار، وسوق عمل.
والمدن، في النهاية، لا تتطور بالمباني وحدها، بل بالأماكن التي تسمح للعقول بأن تلتقي.
ربما تبدو الفكرة بسيطة: شارع للحاسوب هنا، شارع للكتب هناك، سوق للنحاس في مكان آخر، أو زقاق للتجار يتحول بمرور الزمن إلى مركز اقتصادي كامل.
الأنبار اليوم تملك العنصر الأهم: الإنسان المتعلم
وما ينقصها هو أن توفر له المكان الذي يحول المعرفة إلى فرصة.
فحين يجد طالب الحاسوب في الرمادي أو الفلوجة شارعاً يستطيع أن يشتري منه القطع الإلكترونية، أو يتدرب في شركة برمجيات صغيرة، أو يجلس في مقهى تقني يناقش فيه فكرة تطبيق جديد، عندها فقط يمكن القول إن المدينة بدأت تفهم لغتها الجديدة.
لغة المستقبل.
لأن الجيل الذي يكتب الأكواد اليوم، قد يكتب غداً قصة اقتصاد كامل.