الديرة - الرمادي
كان في التاسعة من عمره عندما غادر الأنبار مع عائلته إلى أربيل.
يتذكر أحمد جيداً أول يوم في المدرسة هناك، عندما سأله المعلم: من أين أنت؟
تردد قليلاً ثم قال: من الأنبار.. لم يكن يعرف إن كان سيعود إليها قريباً.
لم يكن هذا الطفل حالة استثنائية، بل صورة مصغّرة لجيل كامل.
فهذا الجيل الذي تنقل بين الأنبار وأربيل وبغداد لم يعد ينظر إلى الحياة بالطريقة التقليدية التي عرفتها الأجيال السابقة.
في العراق لا تُقاس الأجيال بأعمارها فقط، بل بالزمن الذي مر فوقها.
وجيل 2006 و2007 في الأنبار لم يكن مجرد مجموعة من المواليد في تقويم الدولة، بل كان جيلاً كُتب عليه أن ينشأ في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ منطقته.
لقد نشأ هؤلاء الصبية في زمن كانت فيه التربية أقرب إلى الحذر منها إلى التوجيه.
كان الخوف جزءاً من الحياة اليومية، وكانت النصيحة الأولى التي يسمعها الطفل هي: انتبه.
وفي تلك البيئة المضطربة لم يكن الاستقرار خياراً متاحاً دائماً.
كثيرون منهم فتحوا أعينهم في الأنبار، لكن خطواتهم الصغيرة قادتهم إلى مدن أخرى.
عاش بعضهم سنوات من طفولته في أربيل، حيث فرضت الظروف الأمنية والهواجس العائلية هذا الانتقال.
ثم عادوا إلى الأنبار، ليس عودةً إلى الماضي، بل بحثاً عن مستقبل تعذّر أن يُبنى في مكان واحد.
واليوم يصل هذا الجيل إلى لحظة مفصلية.
ففي عام 2026 يدخل مواليد 2007 أبواب الكليات للمرة الأولى.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
اللافت أن كثيراً من أبناء هذا الجيل، رغم نشأتهم في ظروف قاسية ومتنقلة، خرجوا أذكياء ومتفوقين.
كأن الصعوبات التي أحاطت بهم لم تُضعفهم بل صقلت عقولهم.
والجيل الذي نشأ بين الأنبار وأربيل وبغداد ليس جيلاً تقليدياً.
إنه جيل تعلّم في بيئات مختلفة، وتكوّن وعيه في سياقات متعددة، واكتسب تصوراً مختلفاً للحياة والعمل والمستقبل.
ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن كثيراً من هؤلاء الشباب، الذين عاشوا بعيداً عن الأنبار سنوات طويلة، كانوا من بين الذين صوّتوا للرئيس محمد الحلبوسي.
لقد صوّتوا له دون أن يروه عن قرب، ودون أن يجلسوا معه في حوار مباشر.
لكنهم مع ذلك صوّتوا له لأنهم رأوا فيه رمزاً للأنبار التي يتمنونها.
ربما لم يعش هذا الجيل السياسة بالطريقة التي عاشتها الأجيال السابقة، ولم يتعلمها من خطابات الأحزاب ولا من صخب المنابر.
لقد تعلّمها من الطريق الطويل بين مدينة وأخرى، ومن حقيبة مدرسية حملها من الأنبار إلى أربيل ثم عادت به إلى الأنبار من جديد.
ولهذا لم يكن تصويتهم مجرد موقف سياسي عابر، بل تعبيراً عن ذاكرة كاملة من الخوف والانتقال والبحث عن الاستقرار.
فجيل 2007 لا يصوّت للماضي بقدر ما يصوّت لفكرة المكان الذي يريد أن يعيش فيه.
جيلٌ يريد أن يرى الأنبار مستقرة، وأن تكون مدينته سبباً للبقاء لا سبباً للرحيل.
وربما هنا تكمن الرسالة الأعمق:
الأجيال التي عاشت أصعب الفترات، هي غالباً الأكثر إصراراً على ألا تتكرر تلك الفترات مرة أخرى.