آخر الأخبار


على حد سواء.. كرم الأنبار للقريب والبعيد

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي

 

في زمنٍ تكثر فيه الشكوك، وتضيع فيه المعاني الإنسانية بين ضجيج الطائفية والاعتبارات العقائدية، يظهر وجهٌ آخر للناس؛ وجهٌ لا تعرفه الجغرافيا ولا التحيّزات.

كنتُ أتصفّح أحد الحسابات على «فيسبوك»؛ صفحةً إنسانية ترفع صوتها باسم الطفولة والمرض والفقر، وتطلب من الناس أن يمدّوا يد العون لمن لا سند له سوى الله والقلوب الطيبة. كانت هناك طفلة يتيمة الأم، وأبٌ مريض، يعيشان في غرفةٍ ضيّقة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

التقيتُ بصاحب الصفحة صدفةً. وبينما كنّا نتحدّث عن المعاناة، وعن أولئك الذين لا ملجأ لهم إلا قلبٌ رحيم، والحالات التي مرّت عليه، نظر إليّ متعجباً وقال:

«هل تعلم أن أغلب الذين يقدّمون الدعم المالي لعمليات الأطفال، أو لمساعدة امرأة، أو لرجلٍ مسنّ، هم من الأنبار؟ رغم أن معظم الحالات التي أنشرها تأتي من الجنوب والوسط».

ابتسم، ثم واصل كلامه بصوتٍ هادئ يحمل حكايةً أعمق من الأرقام:

«حتى أنا، وبكامل صحتي وعافيتي، أصابني كرم الأنبار بسبب جهدي في مساعدة الناس. هؤلاء الذين عانت مدنهم، ونزحت عوائلهم، وفقدوا أحبابهم… غيرهم قد يحقد أو يتجاهل، لكن الكرم والطيبة في الأنبار لا يعرفان موقفاً، ولا يميّزان بين الناس، ولا تُقيّدهما المذهبية».

كان يصف شيئاً أكبر من المعروف؛ شيئاً أقرب إلى الفعل الإلهي. الأنباري، في قلبه، مذهبه الأول هو الكرم. يقدّم قبل أن يُطلب منه، ويبادر قبل أن يُحتاج إليه، ويغيث القريب والبعيد على حدّ سواء. وهذا ما يجعل اسمه حاضراً، لا في الأخبار، بل في القلوب التي شُفيت، وفي الحياة التي استمرّت.

وبينما كان يتحدّث، شعرت أنني أمام حقيقةٍ لا تُقاس بالزمان ولا بالمكان. هناك مجتمعات تُقيّدها الأفكار وتكبّلها المذهبيات، وهناك مجتمعٌ، في عمق أزماته، يظلّ وفيّاً للإنسانية؛ يقدّمها قبل أي اعتقاد، ويجعل من الكرم عبادة، ومن الرحمة مذهباً