آخر الأخبار


الأنبار توضح الحدود بين المجالين.. الدين يبني الانسان.. الدولة تبني المؤسسات

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي 


لم تكن أوروبا في جوهر تجربتها السابقة قد أعلنت حرباً على الدين كما يُشاع، بل كانت معركتها الحقيقية مع سطوة رجل الدين حين تجاوز حدوده، وتمدد من المجال الروحي إلى المجال السياسي، فاختلطت السلطة بالقداسة، وضاعت الحدود بين ما هو إلهي وما هو بشري.

أوروبا لم ترفض الله ولم تُنكر الإيمان، بل رفضت أولئك الذين احتكروا الحديث باسمه، وهم في واقعهم غارقون في فساد السلطة وإغراءاتها، ولهذا بقيت الكنائس قائمة، وبقي المؤمنون يترددون إليها، يمارسون شعائرهم، كما يفعل المسلمون في مساجدهم، دون أن يعني ذلك خضوعهم لهيمنة رجال الدين على القرار العام.

وإذا انتقلنا إلى العراق وأردنا أن نقرأ تجربة معاصرة بعين التحليل لا بعين الانطباع، فإن الأنبار تقدم نموذجاً يستحق التوقف عنده طويلًاً.

هذه المحافظة التي عُرفت بتمسكها الديني، لم تتخلَّ عن إيمانها ولم تنصرف عن مساجدها، بل بقيت حاضرة في الصلاة والصوم والحج، لكنها في لحظة وعي قاسية، أدركت أن جزءاً من الخراب الذي أصاب مدنها لم يكن بعيداً عن بعض أولئك الذين ارتدوا عباءة الدين، ثم دخلوا بها إلى ميدان السياسة، فاختلط الوعظ بالمصالح وتحول الخطاب إلى أداة توجيه لا أداة هداية.

بعد عام 2017 لم تلجأ الأنبار إلى قطيعة عنيفة مع رجال الدين، ولم تُكرر مشاهد أوروبا حين اصطدمت السلطة بالكنيسة، بل اختارت طريقاً أكثر هدوءاً وأكثر نضجاً.

كان هناك جيل جديد يمكن تسميته بالسلطة الاجتماعية الشبابية، قد تشكل وعيه من رماد التجربة فوجه رسالة واضحة: مكان رجل الدين هو المسجد، لا منصة القرار السياسي.

دوره أن يُرشد لا أن يحكم، وأن يفتح طريق التسامح في النفوس لا أن يرسم خرائط الشوارع.

بهذا الفهم لم يُقصَ رجل الدين، بل أُعيد إلى مجاله الطبيعي. ولم يُحارب رجل الدين بل أُعيد تعريف دوره.

ومع مرور الوقت بدأت النتائج تتشكل بهدوء:

انحسر الصوت المتطرف لا بالقمع، بل بفقدان شرعيته الاجتماعية، وبقي رجل الدين الذي يفهم حدوده، ويؤدي وظيفته كوسيط تبصيري بين الإنسان وربه، لا كوصيّ على قراراته السياسية.

وهنا تكمن أهمية تجربة الأنبار لا بوصفها حالة محلية، بل كنموذج يمكن أن يُقرأ على مستوى العراق كله.

فإدارة الدين لا تعني إقصاءه كما أن حضوره لا يعني هيمنته.

والمعادلة التي نجحت في الأنبار، تقوم على إيضاح واع لحدود المجالين:الدين يبني الإنسان، والدولة تبني المؤسسات.

وعندما يستقر هذا التوازن لا يعود الدين أداة صراع، بل يصبح عنصر استقرار،

ولا تعود السياسة ساحة توظيف للمقدس، بل مجالاً لإدارة الواقع بعقلٍ بشري مسؤول.