آخر الأخبار


من زمن الفوضى.. إلى النظام.. لماذا تُسجل الأنبار أدنى معدل جرائم بين محافظات العراق؟

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


اليوم حين تنظر إلى الأنبار في عام 2026، تجد صورة مختلفة تماماً. فالمحافظة التي كانت تُعرف يوماً بالأزمات أصبحت مثالاً لشيء آخر: الاستقرار الذي يصنعه المجتمع حين يقرر أن يحمي نفسه قبل أن تطلب الدولة ذلك.

لقد أثبتت الأنبار خلال السنوات الأخيرة حقيقة قد لا يلتفت إليها كثير من المحللين، وهي أن الأمن لا يُصنع فقط بالسلاح أو الخطط الأمنية، بل بالعقد الاجتماعي غير المكتوب بين الناس.

في الأنبار لعب المجتمع دور الدولة حين غابت، ثم تحول إلى شريك للدولة حين عادت. ولم يكن الموضوع مجرد ضبط للسلاح أو مواجهة لفلول الإرهاب، بل كان عملية استعادة بطيئة لهيبة المجتمع نفسه.

ولهذا، حين تشير التقارير اليوم إلى أن الأنبار هي أكثر محافظة في العراق انخفاضاً في معدلات الجريمة، فإن الرقم لا يعني مجرد إحصاء جنائي؛ بل يعني أن مجتمعاً كاملاً قرر أن يخرج من زمن الفوضى إلى زمن النظام.

وإذا كان العراق عبر تاريخه قد عرف محافظات كثيرة لعبت أدواراً سياسية أو اقتصادية مختلفة، فإن الأنبار تقدم اليوم درساً من نوع آخر: درس الاستقرار الذي يولد من قلب المعاناة.

فالمدن التي عاشت الحرب مثل الرمادي والفلوجة لم تعد مجرد أسماء في خرائط العمليات العسكرية، بل أصبحت شواهد على قدرة الإنسان العراقي على إعادة بناء حياته مهما كان الخراب عميقاً.

إنها رسالة تقول إن الجغرافيا، مهما كانت قاسية، يمكن أن تتحول إلى عامل استقرار حين يتصالح المجتمع مع نفسه.

قد يختلف الناس في السياسة، وهذا أمر طبيعي، لكن ما لا يمكن إنكاره أن الرئيس الحلبوسي استطاع أن يضع الأنبار على طاولة الدولة العراقية من موقع الفاعل لا الضحية، وأن يقدم نموذجاً لقيادة تحول الألم إلى مشروع استقرار.

وربما لهذا السبب تحديداً، فإن من يتأمل تجربة الأنبار يدرك أن مستقبل العراق لا يُرسم في مكاتب السياسة وحدها، بل يُكتب أيضاً في المدن التي قررت أن تتعب قليلاً لكي تستريح طويلاً.

فالأنبار ببساطة لم تنتصر على الجريمة فقط.

لقد انتصرت على صورتها القديمة.