الديرة - الرمادي
ثمة لحظة فارقة في مسيرة أي مسؤول حكومي، لحظة لا تُقاس بما يُقال عنه بعد أن يُعرف، بل بما فعله قبل أن تلتفت إليه الأعين، هناك في تلك المسافة الصامتة بين العمل والاعتراف تتشكل القيمة الحقيقية للرجل.
حين نتأمل تجربة محافظ الأنبار عمر مشعان الدبوس، فإننا لا نقف أمام مسؤول صنعته الأضواء، بل أمام حالة سبقت الضوء ذاته، لم يكن الرجل وهو يتولى إدارة بلدية الرمادي معنياً بأن يُرى، ولا أن تُلتقط له الصور وهو يشير بيده إلى مشروع هنا أو شارع هناك، لم يكن أسير الحاجة إلى الجزاء الاجتماعي أو إلى نظرة الآخرين وتصفيقهم.
على العكس من ذلك، بدا وكأن الرجل قد حسم أمره مبكراً، أن يكون عمله موجهاً نحو فكرة المسؤولية لا نحو استهلاكها إعلامياً، كان يرى أن الجزاء الحقيقي لا يأتي من البشر، بل من شعور داخلي بالواجب ومن رقابة أخلاقية تتجاوز أعين الناس، وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي تستحق التوقف، أن تعمل كثيراً قبل أن يعرفك الناس، ثم يستمر عملك بالوتيرة نفسها بعد أن يعرفوك.
هذه فلسفة في إدارة الشأن العام والمنصب، فلسفة تقول إن الانتماء حين يكون حقيقياً يجعل المسؤول يفرح بمشهد طفل يسير مع أبيه في شارعٍ نظيف، مشهد لا تصاحبه هتافات ولا تُنقل وقائعه على الشاشات، لكنه يحمل في جوهره معنى الإنجاز.
شاهدوا كيف تستقيظ الرمادي على ذاكرة إنجازٍ متجذّر، حيث تتجلى بصمات الدبوس منذ أن كان مديرا لبلدية الرمادي، في شوارعها الجميلة وخدماتها المتقدمة..
وفي بغداد حالياً تتكاثر الحكايات وتتناقل المدن أخبار بعضها، بدأ اسم عمر مشعان دبوس يُذكر خارج حدود الأنبار، ليس بوصفه نجم التصريحات الجاذبة أو المثيرة للجدل، بل كسمعة طيبة تشكلت ببطء عبر العمل لا عبر القول، وهذه في عرف السياسة والإدارة هي العملة الأندر.
إن الدرس الذي يمكن استخلاصه هنا ليس في شخص الرجل وحده، بل في الفكرة التي يمثلها: اعمل ثم اترك عملك يتحدث، فالصدى الحقيقي لا يبدأ من مركز المدينة بل من أطرافها، من الريف.. من الناس الذين لا يصفقون كثيراً، لكنهم يعرفون جيداً من خدم اهله حتى وإن لم يروه.