الديرة - الرمادي
في منطقة زيونة ببغداد، يُروى أن رجلاً يُدعى أبو إبراهيم جاء من الأنبار، يحمل في قلبه طيبةً تشبه خبز التنور حين يخرج ساخناً؛ بسيطاً، صادقاً، ومشبِعاً للروح قبل الجسد.
لم يكن بيته بيتاً بالمعنى المعتاد، بل كان أشبه بفكرةٍ زُرعت في الأرض؛ مزرعةً تتنفس، فيها الخضار والنخيل وأشجار البرتقال، كأنها بيان عملي عن كيف يمكن للإنسان أن يترك أثراً دون أن يتكلم كثيراً.
ومع الوقت، لم تبقَ التجربة محصورة في حدود بيته. المنطقة من حوله كأنها التقطت الرسالة دون خطب أو دعوات. حدائق الجيران بدأت تتشكل على صورته؛ خضراء، حيّة، كأن أبا إبراهيم لم يكن فرداً، بل نموذجاً قابلاً للاستنساخ.
وفي موسم التمر، لم يكن الحصاد تجارةً، بل موقفاً؛ يوزّع محصوله على الفقراء فقط، في فعلٍ يتجاوز الكرم إلى نوعٍ من العدالة الصامتة.
ثم، كما يحدث في كل القصص التي لا ننتبه إلى نهاياتها إلا متأخرين، جاء الخبر: توفي أبو إبراهيم. خبرٌ بسيط في ظاهره لمن لا يعرفه، لكنه كان كافياً ليكشف حجم الفراغ الذي تركه.
وبعد أشهر، حين مررتُ بجانب بيته، لم أجد المكان ذاته. الخضار الذي كان يفيض بالحياة صار يابساً، والألوان التي كانت خضراء تحولت إلى أصفر باهت، كأن الأرض نفسها دخلت في حداد. لم تكن تلك مجرد مزرعة أُهملت، بل كان بيتاً مات بموت صاحبه.
والأكثر دلالة أن الحدائق المجاورة، التي كانت قد حذت حذوه، أصابها ما أصابه؛ وكأن الروح التي كانت تربطها جميعاً قد انقطعت.
أما ابنه إبراهيم، فقد كان بعيداً في أمريكا؛ بعيداً بما يكفي ليصبح الرجوع احتمالاً نظرياً أكثر منه واقعاً. وهنا تتجلى المفارقة: التجربة التي استطاعت أن تنتشر في محيطٍ صغير، لم تجد من يحملها حين غاب صاحبها.
ومنذ ذلك الحين، لم أعد أتذكر منه سوى أنه من الأنبار. وكلما رأيت شوارع الأنبار، والخضار يحيط ببيوتها وطرقها، يعود أبو إبراهيم إلى الذاكرة، ليس كشخصٍ فقط، بل كحالة.
ففي الأنبار، لا يصعب أن تجد كثيرين يشبهونه؛ في المسؤول، في المحافظ، في الجار. هناك، تبدو العناية بالزرع والخضرة وكأنها أصبحت لغةً مشتركة، تعبيراً غير مباشر عن تاريخٍ طويل من الجفاف؛ ليس جفاف الأرض وحدها، بل جفاف الحروب والمعاناة.
ولعل ما يفعله أهل الأنبار، وإدارتها، في عمقه، ليس مجرد اهتمامٍ بالحدائق أو الطرق، بل محاولة لإعادة تعريف الحياة نفسها. فبعد سنواتٍ من القسوة، يصبح السلام حاجةً تُزرع، لا شعاراً يُرفع.
وإذا كان رمز السلام حمامةً وغصن زيتون، فإن بعض الخضار الممتد على الأرصفة، والحدائق الصغيرة أمام البيوت، قد تكون التعبير الأكثر صدقاً عن هذا المعنى.
يبقى أبو إبراهيم حاضراً، لا في بيته الذي ذبل، بل في كل مساحةٍ خضراء في الأنبار تقاوم النسيان، وتقول بصمتٍ يشبهه: إن الحياة يمكن أن تعود، إذا وجد من يؤمن بها؛ مواطناً كان أم مسؤولا.