آخر الأخبار


الأنبار وكردستان.. من هو صاحب الفضل؟

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي



في السنوات التي كانت فيها الأنبار تشتعل، وتُفرغ مدنها من أهلها كأنها أوعية مكسورة، ارتفعت بعض الأصوات في الشمال، عبر المنابر ووسائل الإعلام، لتؤكد أن لإقليم كردستان فضلاً على أبناء الأنبار، بحجة استضافة النازحين وفتح أبواب أربيل ودهوك والسليمانية لهم، وكأن هؤلاء جاءوا بلا حول ولا قوة، لا يملكون سوى الحاجة والانتظار.

غير أن الوقائع الموثقة تروي صورة أكثر تعقيداً. فبين عامي 2014 و2016، نزح من الأنبار أكثر من مليون وثلاثمئة ألف شخص، توجه قسم كبير منهم إلى إقليم كردستان. وتشير تقديرات منظمات دولية، كمنظمة الهجرة الدولية ومفوضية شؤون اللاجئين، إلى أن الإقليم استضاف في ذروة الأزمة ما يقارب مليوني نازح من مختلف المحافظات، كان لأبناء الأنبار منهم نصيب كبير. ففي أربيل ودهوك توزعت عشرات الآلاف من العائلات، بينما استقر أكثر من أربعين ألف نازح في شقلاوة وحدها، معظمهم من الفلوجة والرمادي والخالدية.

لكن هذا النزوح لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل تهجيراً قسرياً حمل فيه الناس ما تبقى من أموالهم وكرامتهم. وهنا يغيب جانب مهم من السردية المتداولة: فالغالبية لم تعش على الإعالة. تشير تقارير دولية إلى أن أكثر من 40% من النازحين في الإقليم سكنوا في مساكن مستأجرة، لا في مخيمات. دفعوا الإيجارات، وأنفقوا في الأسواق، وأسهموا في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي في وقت كان فيه الإقليم يواجه أزمة مالية خانقة نتيجة تراجع أسعار النفط وتعقيدات العلاقة المالية مع بغداد.

في أربيل تحديداً، تحولت بعض الأحياء إلى مراكز سكنية واقتصادية نابضة يقطنها نازحون من الأنبار، حتى أُطلق عليها، أحياناً، وصف “حي الأنباريين”. هذا الحضور لم يكن عبئاً اقتصادياً، بل مثّل تدفقاً نقدياً فعلياً أنعش قطاعات العقار والتجارة والخدمات. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم العلاقة بوصفها تفاعلاً اقتصادياً متبادلاً، لا معادلة أحادية الطرف.

وإذا عدنا إلى التاريخ، نجد أن هذه العلاقة لم تبدأ في العقد الأخير. ففي سبعينيات القرن الماضي، وتحديداً عام 1974، ومع تصاعد الصراع في المناطق الجبلية شمالاً، نزحت عائلات كردية عديدة إلى الأنبار، حيث استقرت في مدن مثل الرمادي والفلوجة. أُنشئت أحياء عُرفت بـ“حي الأكراد”، واندمج القادمون في النسيج الاجتماعي المحلي، دون قيود تُذكر أو خطابات استعلاء. كان الاستقبال آنذاك امتداداً لقيم الضيافة العشائرية، بعيداً عن لغة الامتنان العلني أو التوظيف السياسي.

بناءً على ذلك، فإن اختزال العلاقة بين الأنبار وإقليم كردستان في مفهوم “الفضل” من طرف واحد، يتجاهل شبكة أوسع من التفاعلات الإنسانية والاقتصادية والتاريخية. فالمعادلة، في جوهرها، كانت أقرب إلى تبادل أدوار في أوقات مختلفة: استضافة هنا، وإسهام اقتصادي هناك، واحتضان سابق، وتضحيات أمنية لاحقة.

إن قراءة التاريخ العراقي بزاوية واحدة تُنتج سرديات ناقصة. أما الصورة الأشمل، فتُظهر أن العلاقات بين مكوناته لم تكن يوماً خطاً أحادياً من العطاء أو الأخذ، بل تداخلاً مستمراً من الأدوار والمصالح والتجارب المشتركة. وفي هذا السياق، تبقى الأنبار، بما تمثله من ثقل اجتماعي وتاريخي، جزءاً فاعلاً في هذه المعادلة، لا طرفاً هامشياً فيها.