الديرة - الرمادي
في عام 2006، عند منفذ الوليد من الجانب السوري، كان شابٌ من بغداد يقف مرتبكاً، يحمل جواز سفر قيل له إنه مزوّر. لم يكن يعلم حينها أن كثيراً من الجوازات العراقية بعد السقوط أصبحت موضع شك، إن لم تكن مزوّرة فعلاً. أعادوه من حيث أتى، فوجد نفسه عالقاً بين حدّين، لا هو داخل سوريا ولا قادر على العودة إلى العراق.
حلّ الليل، واشتد البرد، وكان الشاب يسند ظهره إلى حاجزٍ مكسور، نصفه قائم ونصفه الآخر كأنما انهار مثل حال البلاد. حاول مع الفجر أن يجد طريقاً للعودة. قيل له إن بإمكانه مرافقة إحدى الشاحنات الداخلة إلى العراق. ذهب إلى السائقين واحداً تلو الآخر، لكن الخوف كان سيد الموقف، ولم يجرؤ أحد على المخاطرة. حتى العائلات التي كانت تعود، كانت تخشى أن تضمّ غريباً إليها.
بدا كأن الأبواب كلها أُغلقت، لكن فكرة خطرت له: أن الرزق قد يأتي من حيث لا يُتوقع، كما الطير في الصحراء لا يملك إلا أن ينتظر رحمة الله.
وبينما هو كذلك، سمع صوتاً يناديه من داخل إحدى الشاحنات. صوتٌ فيه دفء غريب، كأنه حبل نجاة يُلقى لمن أوشك على الغرق. سأله السائق بلهجة أنبارية واضحة:
“ليش واقف هنا وحدك؟”
اختصر الشاب حكايته، فهزّ الرجل رأسه وقال: “تعال اركب.”
كان سائق الشاحنة رجلاً من الأنبار، طويل القامة، بملامح تشبه أولئك الجنود الذين يظهرون في نشرات الحرب أو في الأناشيد القديمة. داخل شاحنته عالمٌ كامل: ملابس مبعثرة، أحذية، مناشف، وصور متناثرة لعائلة بعيدة. أعطى الشاب سيجارة وبرتقالة، ثم قال له بجدية:
“راح أكتب وصل البضاعة باسمك، بس من نوصل للسيطرة… لا تحچي ولا كلمة.”
عند السيطرة، عبر الاثنان معاً. لم ينطق الشاب بحرف، وكان قلبه يخفق كأنه يعبر لا مجرد حاجز، بل إلى حياة أخرى. مرت اللحظات ببطء، ثم سُمح لهما بالعبور.
في الطريق، حكى السائق قصته. بيته قُصف، وعائلته تعيش في سوريا، وهو يتنقل بين الطرق أكثر مما يعيش في مكان ثابت. الطريق صار بيته، والشاحنة صارت ملجأه.
أوصله إلى أبو غريب. هناك ترجل الشاب، ممتناً، مرتبكاً من حجم المعروف. حاول أن يرفض المال الذي أعطاه له السائق، لكنه أصرّ، كأخٍ أكبر يجمع بين القسوة والحنان. ثم مضى كلٌ في طريقه، ولم يلتقيا مرة أخرى.
لكن القصة لم تنتهِ هناك.
بعد سنوات، كان ذلك الشاب نفسه يقف عند جسر بزيبز، يساعد عائلات نازحة من الأنبار على العبور. تكفّل بعائلتين، وسهّل لهما الطريق كما سُهّل له يوماً. وبينما كان يوزع ما معه، أعطى طفلاً جائعاً برتقالة. أخذها الطفل وحدّق فيه طويلاً، كأنه يحاول أن يحفظ ملامحه في ذاكرته.
ربما، في يومٍ ما، حين يكبر ذلك الطفل، سيتذكر هذا الوجه. وربما سيتخيله على هيئة ذلك السائق القادم من الأنبار، أو جندياً في أغنية قديمة.