آخر الأخبار


الأنبار في مذكرات شاب شيعي..

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي 


أنا لا أنظر إلى ما يجري في الأنبار اليوم من موقع المتابع البعيد، بل من ذاكرة عشتها بكل تفاصيلها، في التسعينات كنتُ شاباً شيعياً أقف واصلي في جامع عثمان بن عفان، لا أسأل نفسي كثيراً عن الانتماء، بقدر ما كنت أبحث عن القرب من الله، هناك وضعني الشيخ المرحوم عبد الإله في موقع خادم للجامع، بقيت سنوات طويلة أعيش تلك التجربة التي شكلت شيئاً عميقاً في داخلي.

كنتُ أتمنى أن يكون صوتي جميلاً لأشارك في رفع الأذان، لكنني كنت أدرك أنني لن أكون عبد الباسط، ومع ذلك لم أشعر يوماً أن هذا النقص أبعدني عن الله، بل ربما قرّبني أكثر، لأنني تعلمت أن الصوت ليس كل شيء، وأن المعنى أحياناً يسكن في الصمت أكثر مما يسكن في الأداء.

من هناك تأسس في داخلي حنين دائم لخطب الجمعة. ليس حنيناً للصوت، بل للفكرة، لذلك الشعور بأن هناك من يضع أمامك ميزاناً أخلاقياً واضحاً دون ضجيج.

اليوم وأنا أستمع إلى خطباء الأنبار، أجد نفسي أمام نموذج مختلف. لا أرى محاولة لجذب جمهور معين، ولا سعياً لترضية طرف على حساب آخر، أسمع خطاباً يشبه ما يمكن أن أسميه بروح الشافعي، حديث عن علي بمحبة، وعن عمر بعدالة، دون أي شعور بالتناقض. وكأنهم تجاوزوا هذه الثنائيات التي أرهقت الناس، وذهبوا مباشرة إلى جوهر الدين.

ما يلفتني أكثر أنهم لم ينزلقوا إلى ما انزلق إليه غيرهم. لم أسمع خطبة تُحرض، ولا خطاباً يُسوق لشخصية سياسية. في زمن باع فيه كثيرون دينهم بدنياهم، اختار هؤلاء أن يبتعدوا عن السوق كله، وهذا بحد ذاته، موقف.