الديرة - الرمادي
كم يبدو العراق، في هذه اللحظة من تاريخه، أقرب إلى صورته التي طالما حلم بها أهله، لا كما أرادته صراعات الآخرين، في شوارع بيروت التي عبرتها الأزمات، ظهرت لافتات شكر موجهة إلى العراقيين. كانت تعبيراً صادقاً عن إدراك متأخر: ان هذا البلد، الذي عانى طويلًا من كونه ساحة مفتوحة لصراعات الإقليم، قادر حين يختار، أن يكون جسراً لا ساحة، ويداً تمتد لا يداً تُدفع.
إن فلسفة الجوار في جوهرها، ليست معقدة كما يُراد لها أن تبدو. الجار الحقيقي لا يتدخل إلا حين يُطلب منه، ولا يحضر إلا ليخفف وطأة أزمة، لا ليصنع أزمة جديدة. التدخل في شؤون الآخرين، تحت أي ذريعة، لا يُنتج احتراماً، بل يراكم الحذر والريبة. أما المساندة الصادقة، فهي وحدها التي تبني ذاكرة مشتركة من الامتنان.
ولعل المفارقة الأشد قسوة في التجربة العراقية، أن هذا البلد كان لسنوات طويلة، ضحية لقربه الجغرافي. جوار لم يُحسن دائماً قراءة حدوده، ولا احترام خصوصيته. ومع ذلك، لم يفقد العراق قدرته على الكرم، حتى مع من كان يوماً جزءاً من أزمته. وهذه ليست سذاجة سياسية، بل تعبير عن طبيعة راسخة في الشخصية العراقية، حيث تختلط الكبرياء بالنُبل، والذاكرة بالأمل.
غير أن لحظة العطاء هذه، بكل ما تحمله من إشارات إيجابية، تطرح سؤالاً أعمق: هل يمكن أن تتحول إلى سياسة ثابتة، لا مجرد استثناء؟
هل يصبح قرار الدولة نابعاً و مستمراً من إرادة أغلبية تعي تاريخ هذا البلد، وتدرك أن العراق لم يُخلق ليكون تابعاً او متورطا في أزمات الآخرين، بل فاعلاً في تهدئتها؟
إن الطريق إلى الاستقرار ليس في أذية جارك، بل بتراكم المواقف. والعراق حين يختار أن يكون سنداً لا طرفاً، إنما يكتب سطراً جديداً في تاريخه، سطراً يليق بحضارة عرفت منذ فجرها الأول، كيف تكون مركزاً لا هامشاً، وكيف تعطي دون أن تفقد نفسها.