آخر الأخبار


فقدان الأمن.. وحالة "الخوف الدائم"!

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


واحدة من أولى السيارات المفخخة التي انفجرت في العراق، يومها كانت على مقرّ الأمم المتحدة. كان الانفجار صادماً وغير متوقّع، لأن نسبة كبيرة من العراقيين كانوا يأملون بعد سقوط النظام، أن يتحوّل البلد إلى طوكيو من حيث معيار البناء، أو إلى أبوظبي جديدة. لكن ما حدث لاحقاً قاد إلى استشهاد أعداد كبيرة من العراقيين، ونزوح أعداد هائلة، وتدمير مدن كاملة.

نتذكر هذه الأحداث ونحن نتابع ما حدث من انفجارات سيارات مفخخة وعبوات في طهران أمس واليوم، لنصل إلى فكرة مفادها أن الصراع المستمر بين إسرائيل وإيران لا يمكن فهم بعض أدواته من زاوية التفوق التكنولوجي وحده. فوجود طائرة متقدمة مثل F-35 لا يلغي حقيقة أن أدوات بدائية مثل السيارة المفخخة ما زالت تُستخدم، بل وتنجح في تحقيق أثر، وفي سياقات معينة قد يتجاوز أثرها ما يبدو أنه تفوق عسكري تقليدي.

الـF-35 هي أداة دولة بامتياز، تُستخدم لضرب أهداف محددة داخل منظومات عسكرية محسوبة، وتعمل ضمن قرار سياسي معقّد وكلفة عالية. هي سلاح حسم، لا سلاح إرباك يومي. أما السيارة المفخخة فهي على النقيض تماماً ، لا تستهدف ميزان القوة العسكري مباشرة، بل تستهدف البيئة الداخلية نفسها: الشارع، الإحساس بالأمن، ووعي المجتمع بفكرة السيطرة.

وقد ظهرت هذه التجربة بوضوح في العراق بعد عام 2003، حيث يتبين أن خطورة هذا النوع من الأدوات لا تُقاس بحجمها أو كلفتها، بل بقدرتها على خلق حالة خوف دائمة داخل المدن، بحيث يصبح كل فضاء عام قابلاً للتهديد، ويتحوّل الأمن إلى حالة هشّة مهما بلغت قوة الدولة.

من هنا، تصبح المقارنة بين سلاح شديد التطور ومكلف جداً، وطريقة بدائية ورخيصة في التنفيذ، ليست مقارنة عسكرية مباشرة، بل مقارنة بين نوعين من التأثير: تأثير يستهدف البنية العسكرية للدولة، وتأثير يستهدف وعي المجتمع وسلوكه اليومي. الأول يحتاج إلى قدرة دولة، والثاني يحتاج إلى قدرة على الإرباك والاختراق.

لذلك، فإن ما يبدو تفوقاً للتكنولوجيا في ساحة الحرب التقليدية لا يمنع، في الحروب غير الاخلاقية، من بقاء أدوات بسيطة قادرة على إحداث أثر واسع، لأن معيار القوة في الحرب المعاصرة لم يعد يُقاس بالدقة أو الكلفة فقط، بل بمدى القدرة على زعزعة الداخل وإرباكه.