الديرة - الرمادي
شهدت الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 لوحة عراقية باهتة التضاريس فيما يخص أساليب الصرف. ففي العاصمة بغداد، يتصاعد الإنفاق الاستثماري محمولاً على أكتاف المركزية وثقلها. وفي أقصى الجنوب، تغوص البصرة في بحر النفقات التشغيلية الجارفة لسد رمق احتياجاتها الهائلة، فيما تقبع محافظات أخرى في صمت موحش يكاد يكون معه الإنفاق الاستثماري فيها معدوماً.
لكن الأنبار تأتي ضمن القلة النادرة التي أنتجت معادلة التوازن الحقيقي. فقد بلغ إجمالي موازنتها في العام الماضي قرابة 402.2 مليار دينار، توزعت بين 171 ملياراً للنفقات الجارية، ونحو 230.8 ملياراً ضُخت في شرايين الاستثمار. إنه مشهد قل نظيره في بيئة تميل بفطرتها إلى أن يطغى فيها صوت الراتب على صوت المعول والمشروع.
هذا التوازن لم يهبط من فراغ، وليس وليد صدفة أو شعارات براقة تذروها الرياح. إنه ثمرة خطط واعية لقيادة حزب تقدم ممثلة بالرئيس محمد الحلبوسي.
ومن يتابع تحركات محافظ الأنبار عمر مشعان الدبوس سيجد فيها تجسيدا لحقيقة أن الأنبار لا يُبقيها على قيد الأمل إلا استثمارها الجريء في مستقبل أبنائها. هيئة الاستثمار في الأنبار لا تهدأ اليوم حركتها، تعمل بدأب وإصرار على اجتذاب رؤوس الأموال وطرح الفرص الواعدة في قطاعي الزراعة والصناعة. والأجدر بالتأمل أن هذا الزخم الإيجابي يحدث في خضم أزمة وطنية خانقة عنوانها تعثر إقرار موازنة عام 2026.
وهنا قد يسأل سائل يعيش في ربوع العراق الحبيب: أيمكن أن تكون الأنبار نموذجاً قابلاً للتعميم غداً؟ الجواب معلق بقدرة المحافظات الأخرى على التخلص من الضغوط السياسية والمزاج الانتخابي الذي يدفع باتجاه الإغراق في النفقات الجارية من أجل إرضاء الجمهور. لقد نجحت الأنبار في معادلتها الصعبة لأنها أدركت مبكراً جدلية الأمن والتنمية: فالاستقرار الأمني مكّنها من توجيه مواردها نحو المشاريع، والمشاريع بدورها صارت حصناً منيعاً يعزز ذلك الاستقرار. إنها حلقة إيجابية نادرة في جسد الاقتصاد العراقي المتعب.
إذا ما أراد العراق فكاكاً من لعنة الاعتماد المطلق على النفط وتنويع الاقتصاد، فعليه أن يلقي بناظريه إلى الأنبار بتمعن. هنا يتحول كل دينار مرصود إلى لبنة صلبة في صرح دولة تنموية حقيقية، وليس مجرد دولة وظيفة وإعانة. التوازن الذي تسجله المحافظة اليوم ليس رقماً جامداً في خانات التقارير الإحصائية، إنه بذرة خضراء تغرس في تربة الصحراء، تعلن أن لمستقبل العراق موعداً مع الاستدامة.