الديرة - الرمادي
كثيرٌ من المسؤولين بعد عام 2003 تعاملوا مع مسؤوليات محافظاتهم بعقلية الغنيمة لا بعقلية الدولة، عقلية لا تتحرك إلا حين ينهار واقع محافظة وخدماتها، ليقول لاحقاً: تعالوا نقارن ما يجري هناك بما يحدث هنا.
غير أنّ هذه الذهنية لم تكن يوماً جزءاً من سلوك الرئيس محمد الحلبوسي، ففي احتجاجات تشرين التي كانت بعيدة جغرافياً عن الأنبار، ذهب إلى المتظاهرين في بغداد، أولئك البعيدين عن واقعه المحلي، وتدخّل لدعم تحقيق مطالبهم، كما رفض مبدأ الندية بين إقليم كردستان والمركز، مؤكدًا أن الإقليم جزء من الحكومة الاتحادية، وليس كيانًاً موازياً لها، وشدد على أن استخراج وتصدير النفط والغاز والثروات الطبيعية هي صلاحيات حصرية للحكومة الاتحادية.
وفي ملف كركوك، ابتكر حلا عبقريا لمعالجة أزمة مزمنة، من خلال فكرة تدوير منصب المحافظ بين المكونات الرئيسية، ما خلق حالة غير مسبوقة من الاستقرار في هذه المحافظة، ووضعها على طريق التقدم في البناء والإعمار.
وفي ملف الرئاسات الثلاث، كانت بصمته حاضرة بقوة، أولا من خلال حسم ملف منصب رئيس البرلمان في توقيت قياسي، وثانيا من خلال بناء تحالف كبير انتهى الى انتخاب رئيس للجمهورية، وثالثا من خلال تشجيعه ومساندته عملية اختيار المكلف بتشكيل الحكومة القادمة.
وكان لدوره الفاعل أثر حاسم في اختيار محافظ لكركوك ،
في كل ذلك ظهر الرئيس الحلبوسي قائدا عراقيا قبل أن يكون ممثلاً لمكون، دعم عملية تشكيل الحكومة بدل تعطيلها، وساهم في تجاوز حالة الانسداد السياسي وتفادي أزمة دستورية، واضعاً المصلحة الوطنية فوق الخلافات.
إنه نموذج لزعامة حقيقية، تقوم على صناعة التوازن، لا على إشعال معارك خاسرة.
الرئيس الحلبوسي رجل يعرف متى يشتد في موقفه، ومتى يلين، وتلك هي خلاصة السياسة الحقيقية.