آخر الأخبار


مقابر الأنبار: هل تصنع "الدشداشة" حقيقة جنائية؟

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي 


شهد العراق بعد عام 2003 كشفًا متتاليًا لملف المقابر الجماعية التي خلّفها النظام السابق، وكانت تلك الحقائق تُكتشف وتُوثّق عبر لجان مختصة وفرق فنية تبحث في الأدلة الجنائية والأنثروبولوجية لتحديد هويات الضحايا وإعادتهم إلى ذويهم. في تلك الفترات، لم يكن ثمة تشكيك في عائدية الضحايا؛ لأن الحقائق كانت تفرض نفسها عبر سياقات جغرافية وزمنية واضحة، وبعيدًا عن الصخب الإعلامي.

أما اليوم، فنحن أمام ظاهرة مقلقة ومختلفة تمامًا؛ ظاهرة يتداخل فيها الإعلام "الريلزي" السطحي مع قضايا تمس مصير آلاف المغيبين والمفقودين.

إن ما نشهده اليوم من تسابق إعلامي لتحديد هوية ضحايا المقابر الجماعية المكتشفة مؤخرًا في محافظة الأنبار – بناءً على مظهر خارجي أو لباس تقليدي كـ "الدشداشة" – يمثل قمة الارتجال والسطحية. فـ "الدشداشة" هي الزي الهوياتي والتاريخي لأبناء الأنبار والمناطق الغربية كما هي لأبناء الجنوب، ومن غير المنطقي علميًا أو مهنيًا أن يقوم صحفي أو صانع محتوى بجرة قلم، أو لقطة كاميرا مدتها عشر ثوانٍ، باحتكار هوية الضحايا وتحديد خلفياتهم المذهبية والمناطقية.

المنطقة التي عُثر فيها على هذه المقابر ليست حيًا سكنيًا مستقرًا كالحارثية أو المنصور في بغداد، بل هي مناطق شهدت عبر سنوات ممتدة عمليات تغييب قسري شملت المئات من أبناء المحافظة نفسها، والذين لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى هذه اللحظة.

إذا عدنا إلى المنطق الجنائي والتاريخي للجرائم الكبرى في العراق، نجد أن مرتكبي تلك المجازر – ومنهم عصابات داعش الإرهابية – كانوا يميلون عادًة إلى التخلص من الضحايا في محيط ممارسة نفوذهم أو بالقرب من مسرح الجريمة؛ لتوفير الوقت والجهد اللوجستي. ومثال ذلك ضحايا مجزرة "سبايكر" الذين دُفنوا في تكريت ومحيطها.

بناءً على هذا المنطق، فإن افتراض اقتياد نحو 1500 جثة من مناطق جنوبية لقطع مئات الكيلومترات صعودًا نحو مناطق حدودية في أقصى غرب العراق لغرض الدفن، هو افتراض يفتقر إلى السند الجغرافي والجنائي، ويهمل حقيقة أن المنطقة ذاتها مليئة بالمغيبين من أهلها.

إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في غياب الدقة، بل في "سلعنة" الموت وتحويل المقابر الجماعية إلى مادة لزيادة التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي.

إن التعامل مع فاجعة إنسانية وكشف جنائي بهذا الحجم والخطورة بطريقة "الريلز" السريعة – وكأننا بصدد إعلان ترويجي لمطعم – هو سلوك وضيع يجرد الضحايا من كرامتهم الإنسانية ويستخف بمشاعر عائلاتهم المنتظرة منذ سنوات.

الضحية، سواء كان شيعيًا أم سنيًا، واجه المصير والموت ذاته بأبشع الطرق والوسائل. وما يهم المجتمع العراقي اليوم، والمنظمات الحقوقية، هو إفساح المجال كاملاً للجهات الفنية والطب العدلي واللجان الحكومية المختصة؛ لكشف الحقيقة المدعومة بالأدلة والـ DNA للعالم.

يجب أن يتوقف هذا السباق غير المسؤول عن الاستثمار في المأساة، ولتكن الحقيقة العلمية والقانونية هي الحد الفاصل، احترامًا لدم الإنسان العراقي الذي استبيح طويلاً في غفلة من التاريخ.