آخر الأخبار


لماذا يلتف سُنة العراق حول الرئيس الحلبوسي؟

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


بعد عام 2003، واجه المكوّن السني في العراق مأزقاً وجودياً في علاقته بالدولة الجديدة. في البداية رفضَ كثير من ممثلي السُنة الانخراط في العملية السياسية، واتجهوا نحو مبدأ المقاطعة الكاملة، معتبرين أن أي مشاركة هي اعتراف بشرعية وجود المحتل. هذا الموقف المتشدد، الذي تبنّته قيادات وشخصيات مؤثرة آنذاك، أفرغ الساحة من الصوت السني المعتدل، وسمح للقوى الأخرى بالسيطرة على مفاصل الدولة، تحت ذريعة أن السُنة رافضون للعملية السياسية من أساسها.

في تلك المرحلة الحرجة، برزت أصوات انطلقت من منطلق أن الحكومة لا تُبنى في ظل الاحتلال، فكان التوجه نحو تشكيل فصائل مسلحة سيطرت على المناطق الغربية، وفتحت الباب واسعاً أمام الإرهاب بحجة الجهاد، النتيجة كانت كارثية: سقوط المدن الغربية، تهجير الأهالي، وإلصاق تهمة الإرهاب بالمكوّن السني برمّته، بسبب سياسة خاطئة انتهجها من تصدّروا تمثيله آنذاك. تحوّل الخطأ السياسي إلى لعنة وجودية طاردت السُنة العراقيين لسنوات.

وسط هذا الرماد، جاء الرئيس الحلبوسي بفهم مختلف تماماً. أدرك أن انتزاع حقوق المكوّن لا يكون بالتطرف ولا بالاستعلاء المذهبي، ولا بالانسحاب السلبي من الدولة. الرئيس الحلبوسي نقل المعركة من الخطاب الراديكالي إلى مؤسسات الدولة، جاعلاً الإعمار والبناء والتنمية هي المدخل الحقيقي لاستعادة الحق. حين أصبح رئيساً لمجلس النواب، أحدث نقلة نوعية في وزن الكلمة السنية داخل الحكومة؛ فلأول مرة تتحول المطالب المزمنة إلى تشريعات وقرارات تُنفّذ على الأرض، بقانون وعمل متواصل لا بشعارات الغرف المغلقة.

اليوم التأثير السني بقيادة الرئيس الحلبوسي أحدث انزياحاً فكرياً وسياسياً، حتى داخل أروقة القرار الشيعي. بعضهم فهم أن ما يسعى إليه الرئيس الحلبوسي ليس ترفاً سياسياً، بل هو أصل الشرعية الذي تقوم عليه فكرة الدولة؛ دولة يشترك فيها الجميع على أساس الكفاءة والمواطنة. في الانتخابات الأخيرة، كانت بصمة هذا النهج واضحة: سقطت المتبنيات القديمة التي طالما شكّلت أساس تشكيل أي حكومة عراقية، وصارت الساحة مفتوحة للجميع، حيث الفرصة متاحة لكل كُفء أن يكون جزءاً من السلطة، بعيداً عن منطق الإقصاء والمغانم المذهبية.

هذا هو جوهر التحول الذي جعل السُنة يلتفون حول الرئيس الحلبوسي، ليس التفافاً حول شخص، بل حول فكرة مختلفة. فكرة أن البقاء في الدولة والعمل من داخلها هو الطريق الوحيد للقوة، وأن الحقوق تُنتزع بالقانون لا بالرصاص، وأن المكوّن حين يبني مدنه ومؤسساته، فهو يبني وجوده السياسي الحقيقي.