الديرة - الرمادي
لم تكن المصارف الأوروبية، عبر تاريخها، تتحرك بدافع المجاملة أو الفضول السياسي، بل كانت دائماً تذهب حيث توجد الأرض القادرة على احتضان المال وتحويله إلى مشروع منتج. فهذه المؤسسات لا تدفع بقياداتها إلى منطقة ما إلا بعد قراءة دقيقة لواقعها الاقتصادي، وقياس قدرتها على الاستقرار والعمل والتنمية.
ولسنوات طويلة، بقيت الأنبار خارج هذا المشهد، إذ لم تكن الوفود الأجنبية التي تصل إليها تحمل في حقائبها خرائط الاستثمار، بل حسابات الأمن والعسكر. كانت المحافظة تُقرأ بوصفها عقدة أمنية لا مساحة تنموية، ولذلك ظل حضور الخارج فيها محكوماً باعتبارات الحرب لا اعتبارات الاقتصاد.
أما اليوم، فإن الصورة تبدلت على نحو لافت. فزيارة مديرة المصرف الأوروبي إلى الأنبار، وقبلها البعثة الإيطالية، لا يمكن فهمهما إلا في إطار تحول حقيقي تشهده المحافظة، تحول يقوم على رؤية تنموية أخذت تتشكل على الأرض عبر مشاريع متواصلة وبنية حدودية باتت مؤهلة لتكون ممراً حيوياً يربط بين عدة دول، ويمنح الأنبار موقعاً استراتيجياً في حركة النقل والتجارة الإقليمية.
وحين تسلّم عمر مشعان الدبوس منصب المحافظ، كان يدرك أن الاستثمار لا يمكن أن يولد في بيئة طاردة أو مضطربة، ولذلك كان يردد دائماً أن رأس المال لا يبحث إلا عن الأرض القابلة للعمل. واليوم وبعد الجهد الذي بُذل من قبل الإدارة المحلية وأهالي الأنبار، لم تعد المحافظة مجرد منطقة قابلة للاستثمار، بل تحولت إلى أرض جاذبة، تفرض نفسها على خرائط الاقتصاد، وتفتح أبوابها أمام استثمار حقيقي يقوم على الثقة بالمستقبل، لأن التنمية حين تجد إدارة جادة وبيئة مستقرة، تصبح قادرة على تغيير صورة المكان بالكامل.