آخر الأخبار


في يوم المهندس العراقي.. هزيمة الفوضى بخط مستقيم

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي 


حين يتحول المهندس من ورشة الحجر والمسطرة إلى دهاليز السياسة، فإنه لا يغير حكومة، بل يغير عقلية إمبراطورية بأكملها. وكأن ثمة قدراً يختبئ في طيات الهندسة، يهب أصحابها رؤية لا تقف عند حدود الجدران، بل تمتد لتشمل كيان الدولة ذاته. بدأها مصطفى كمال أتاتورك، ذلك المهندس الذي أمسك بإزميله هيكل الدولة العثمانية المنهكة، فلم يرممه، بل هدمه ليبني من أنقاضه كياناً حديثاً، لا تزال بصمته محفورة في العقل السياسي التركي حتى يومنا هذا، كنقش على حجر.

وإن لم يكن مهندساً بالشهادة، فقد كان الملك فيصل الثاني مهندساً بالرؤية، حين فتح أبواب الحكم لعمالقة الهندسة العراقية، أولئك الذين استبدلوا مستشاريه التقليديين بمن يحملون المساطر وأحلام الأسمنت والحديد. على أيديهم قامت بغداد الحديثة، جسوراً تمتد كشرايين الحياة، وتخطيطاً عمرانياً يحكي قصة أمة تبحث عن وجهها. ومن ذلك الامتداد التاريخي، من نهر رؤيا فيصل الثاني، نصل إلى رجل من طينة أخرى، الرئيس محمد الحلبوسي، ابن الكرمة. إنه المهندس الذي نظر إلى أرض أنهكتها الحروب والصراعات، فلم يرَ رماداً، بل رأى مخططاً لأنبار تنهض. في سنين قليلة حوّل الجراح إلى مركز سياسي واقتصادي وتجاري، رافعاً راية البناء والاستثمار، ليس فقط في صروح المؤسسات والمولات والمجمعات السكنية، بل في قلب الجزرة الوسطية في الشارع حيث الحياة الحقيقية. كان أول مهندس يؤسس لفكرة أن رئاسة البرلمان تُدار بعقلية القرار الواحد، عقلية من يعرف أن الأساسات إن لم تكن متينة انهار البناء كله. لم تتلخص أفكاره في حدود الأنبار، بل امتدت لتُهندس قرار السنة في مختلف المحافظات، واضعاً إياهم في مناصب الصدارة، وكأنه يطبق قاعدة التوازن الإنشائي على جسد السياسة المنهك. وحين أدرك بفطنة المهندس، أن الحلول الترقيعية لا تدوم، وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فكان المحافظ عمر الدبوس مسؤولاً للأنبار، مكملاً بارعاً، أسس لسياسة العمل الميداني المستمر، حتى أن عينيه لا تغفلان عن حفرة في شوارع هيت.

العراق بلد زاخر بالمهندسين، يكفيك أن تذهب إلى محمد مكية ورفعت الجادرجي، عملاقي العمارة، لتدرك أن خلفهما آلافاً بغير أسماء، مهندسين مجهولين يبنون بصمت، تاركين بصماتهم في جسر هنا، أو طريق هناك، دون أن يعرفهم أحد. في يوم المهندسين، لا نملك إلا أن نقول: كل عام وكل من يختبئ داخل عقله مخطط لجعل الوطن أفضل، والشوارع أفضل، والإصرار أصلب، بألف خير. إنهم من يعرفون أن كل صرح عظيم يبدأ بفكرة في عقل مهندس، وأن تلك الفكرة وحدها، قادرة على هزيمة الفوضى.