الديرة - الرمادي
لم يكن العراق يوماً بحاجة إلى أحد، كان هو من يقرض الدول ويمد يد العون للعالم بثرواته النفطية الهائلة، غير أن سنوات من الفساد الممنهج وسوء إدارة المال العام حولت هذا البلد الغني من دائن إلى مدين، ومن معط إلى شاحذ.
اليوم يقف رئيس الوزراء علي الزيدي أمام استحقاق مالي خطير، يدفعه نحو طرق أبواب الخليج طلباً لخمسين مليار دولار، لا لبناء مشاريع أو تطوير بنية تحتية، بل لتأمين رواتب موظفي الدولة، فمن أوصل العراق إلى هذا الدرك؟ والإجابة تبدأ من حيث انتهت الحكومات السابقة.
أين اختفت الأموال؟
غادرت حكومة مصطفى الكاظمي السلطة تاركة خلفها، وفق ما يؤكده المنتقدون، احتياطياً مالياً ناهز ٩٧ مليار دولار، فضلاً عن قانون الأمن الغذائي الذي رصد له نحو ٣٥ تريليون دينار عراقي لمواجهة أي طارئ اقتصادي، بيد أن هذه الثروة تبخّرت في ظل الحكومات المتعاقبة، ولم يتبق منها ما يكفي لضمان رواتب الموظفين.
ويتساءل المحلل السياسي أمير الدعمي بمرارة عن مصير تلك المليارات، مشيراً إلى أنها تحوّلت إلى سيارات فارهة وساعات ثمينة وعقارات مجهولة المصدر، بينما يقف المواطن العراقي اليوم أمام شبح تأخر راتبه.
الزيدي في مواجهة الاستحقاق
في لقاء جمعه بنخبة من الإعلاميين وصناع الرأي بمناسبة عيد الأضحى، كشف رئيس الوزراء علي الزيدي عن نيته التوجه إلى دول الخليج للحصول على دعم مالي عبر صناديق اقتراض قد تبلغ خمسين مليار دولار، وذلك لمواجهة عجز مالي بات يهدد ملف الرواتب مباشرة.
وقد أثار هذا الكشف موجة واسعة من ردود الفعل، إذ رأى النائب السابق رائد المالكي أن الحديث عن صندوق سيادي يمول بودائع خليجية يفتقر إلى أي أساس اقتصادي سليم، مؤكداً أن الصناديق السيادية الحقيقية تبنى على الفوائض لا على الديون، في حين لا تزال الحكومة تقترض شهرياً من البنك المركزي لتسيير أبسط التزاماتها.
ثالثاً: السيادة على المحك
يتجاوز الخطر حدود الأزمة المالية ليطال ما هو أعمق وأخطر، السيادة الوطنية، فالعراق يرزح أصلاً تحت ضغط أمريكي متواصل عبر التحكم بعائدات النفط الدولارية، وإضافة دول خليجية دائنة إلى المعادلة سيعيد رسم خريطة التأثير في القرار العراقي بصورة غير مسبوقة.
يستحضر المالكي في هذا السياق تجربة الإمارات مع مصر، حين تحولت الديون إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي.
والمفارقة المؤلمة، كما يصفها المتابعون، أن العراق الذي أعطى أبناؤه أرواحهم ثمناً للسيادة، بات يقايضها اليوم بفاتورة الفساد المتراكمة عبر السنين.