الديرة - الرمادي
تلقى المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى العراق، مارك سافايا، توجيهاً رسمياً بتأجيل زيارته المرتقبة إلى بغداد في اللحظات الأخيرة، رغم وصوله إلى إحدى عواصم الشرق الأوسط وإتمام كافة الترتيبات اللازمة للقاءات مع مسؤولين عراقيين.
جاء قرار التأجيل المفاجئ ليثير تساؤلات حول طبيعة الرسائل التي تحملها إدارة ترامب للعراق، خاصة في ظل تصريحات سافايا التحذيرية وجولاته المكثفة بين أروقة الاستخبارات الأمريكية ووزارتي الدفاع والخزانة، ما يشي بأن الزيارة القادمة ستحمل مطالب أمريكية حاسمة قد تهز أركان التوازنات السياسية في بغداد.
اجتماعات مجهضة
وفق معلومات دقيقة حصلت عليها مصادر مطلعة، كان سافايا قد وصل بالفعل إلى إحدى العواصم الإقليمية استعداداً لزيارته بغداد، حيث جرى تحديد مواعيد مسبقة لعقد اجتماعات مع شخصيات عراقية نافذة، لكن في توقيت متأخر، وبخلاف ما جرى نفيه أو التشكيك فيه لاحقاً، تلقى المبعوث الأمريكي أمراً رسمياً بالتراجع وإلغاء الزيارة، ما أوقف تنفيذها ميدانياً قبل ساعات من موعدها المقرر.
وقبل ثلاثة أيام، أُشيع خبر وصول سافايا إلى بغداد، لكن الواقع كان مغايراً تماماً. فالرجل الذي يصفه المحللون بأنه "لا يمتلك خبرة دبلوماسية تقليدية" كان منهمكاً في جولة مكوكية بين مراكز القرار الأمريكية.
رسائل حادة
رغم التأجيل، وصلت رسائل سافايا إلى بغداد قبله، حيث كشف عامر الفايز، رئيس كتلة "تصميم" المنضوية في الإطار التنسيقي، أن المبعوث الأمريكي أبلغ قادة القوى الشيعية "بنحو مؤكد" أن وجود الفصائل المسلحة في المناصب العليا والحكومة "غير مقبول"، مع تركيز خاص على نائب رئيس البرلمان عن عصائب أهل الحق، عدنان فيحان.
هذه الرسائل أثارت ردود فعل غاضبة في الأوساط السياسية العراقية، النائب عن ائتلاف دولة القانون، فالح الخزعلي، طالب سافايا بالكف عن "التصريحات السخيفة"، وعدم التدخل في الشأن العراقي الداخلي، واصفاً عمله بأنه "مراسل للبلطجي والإرهابي دونالد ترامب"، داعياً القوى العراقية إلى عدم الرضوخ للمطالب التي تنتقص من مصالح العراق.
لكن الأكثر إثارة كان ما فعله سافايا على منصات التواصل الاجتماعي، حين نشر صورة لورقة نقدية عراقية من فئة 5 دنانير تحمل صورة صدام حسين (الطبعة القديمة وليست السويسرية) أمام الرئيس ترامب، هذه الخطوة فُسرت على أنها رسالة تهديد واضحة: "مثلما أجبرناكم على طباعة العملة وقت الحصار، نستطيع أن نعيدكم إلى تلك الحقبة إذا لم تلتزموا بمطالبنا".
العصا الغليظة
تتباحث العراقي البارز الدكتور منقذ داغر يرى أن سافايا "سيحضر وبيده العصا"، مؤكداً أن تأخير الزيارة ليس ضعفاً بل استراتيجية مدروسة.
يقول داغر: "الرجل غير مستعجل لأنه يعرف أن ما سيقوم به ليس مجرد كلام، الآن تجري عملية إعداده، وجولاته بين وزارة الخزانة ومكتب مكافحة الإرهاب والمخابرات تعني أن الحجرة فيها طلقة وليست فارغة".
ويضيف: "المبعوث يختلف عن السفير، فليست لديه محددات دبلوماسية، سافايا واضح جداً في إعجابه بالطريقة الترامبية القائمة على القوة والتهديد وإدارة الأزمات عبر التغريدات، هذا انعكاس لسياسة ترامب الصلبة غير المرنة".
في المقابل، يرفض كثيرون في بغداد أخذ تحذيرات سافايا على محمل الجد، معتبرينها "جعجعة بلا طحين"، بعيداً عن واقع عراق يشهد استقراراً أمنياً وسياسياً واقتصادياً نسبياً، لكن حتى هؤلاء لا يستطيعون إنكار أن رسائل المبعوث الأمريكي تختبر قدرة السياسة العراقية على التعامل مع الضغوط الخارجية، وتكشف عن هشاشة التوازنات الداخلية في مرحلة حرجة.