الديرة - الرمادي
في شارع من شوارع الرمادي، حيث يبدأ الضوء بشقّ طريقه بين مباني الفجر الساكنة، ثمة مشهد يتكرر كل صباح بصمت، لكنه يحمل من المعنى ما يعجز عنه الكلام.
دراجة نارية نوع (ستوتة) متهالكة تشق الطريق بهدوء، فوقها أب يقبض على المقود بيدين خشنتين أنهكهما العمل، وخلفه ابنتان بزيهما المدرسي الأنيق، واقفتان كأنهما لا تعرفان معنى الهز والاضطراب، وكأن العربة التي تحملهما مركبة من ذهب.
هذا المشهد لم يمر مرور الكرام على أحد أبناء الرمادي حين وثقه ونشره، فسرعان ما تحول إلى قصة تناقلتها الألسن قبل الشاشات، لأنه لامس وتراً عميقاً في نفوس العراقيين الذين يعرفون جيداً معنى أن تحمل أحلاماً أكبر من إمكانياتك.
أب يختار الأفضل حين لا يملك الكثير
ما يجعل هذه الصورة استثنائية ليس فقر العربة، بل الوجهة التي تقصدها كل صباح.
هذا الأب يعرف أن الستوتة لن تبقى، وأن البنات سيكبرن ويمضين، لكنه يصر على أن يضع تحت أقدامهن أمتن الأسس وأرسخها، ليكون العلم الذي يتلقينه اليوم هو الجواب الحقيقي على كل سؤال عسير سيطرحه عليهن الغد.
اللافت في المشهد أن الفتاتين تجلسان أو تقفان بترتيب وأناقة لافتين، لا أثر على ملابسهما ولا على وجهيهما لأي حرج أو اكتراث بما حولهما.
وفي خطوة لافتة قررت إدارة مدارس نون والقلم دون أن يُحرّك فيها شيئاً، نقل الفتاتين مجاناً طوال ما تبقى من العام الدراسي، مع منحهما خصماً دراسياً معتبراً، في خطوة قالت فيها المدرسة بأفعالها ما لم تقله بالكلام، وهو أن التعليم حق لكل طفلة مهما كانت عربة أبيها.
في نهاية المطاف، هذا الأب لم يطلب من أحد أن يلتفت إليه أو يمدحه، هو فقط استيقظ باكراً كما يفعل كل يوم، أوقد محرك ستوتته، وانطلق نحو مستقبل بناته دون أن يلتفت خلفه، لكن الرمادي التفتت إليه، والأنبار التفتت إليه، والعراق التفت إليه، لأن هذا الرجل البسيط الصامت يحمل على ظهر ستوتته المتهالكة أغلى ما في هذا الوطن، أحلام جيل قادم لم ييأس أبوه يوماً من أن يصل بها إلى بر الأمان.