آخر الأخبار


السيسي في الأنبار "لا مسلم ولا مسيحي" الكل سواسية.. عمو بابا وشدراك كانا من هناك!

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


على الضفة الغربية لنهر الفرات، وسط محافظة الأنبار، ثمة بقعة جغرافية صغيرة تفند بصمتها كل خطاب للتفرقة، وتجيب بوجودها على أسئلة الهوية التي أرقت العراق عقوداً، إنها منطقة "السيسي"، في مدينة الحبانية، التي لا يكاد يعرفها الغرباء، غير أن أهلها يسمونها بثقة واعتزاز "العراق المصغر".


مسبحة وصليب


التعايش في السيسي مكتوب حرفياً في كل طابوقة من طوابيق بيوت العبادة الثلاثة التي تتجاور في المنطقة، الجامع الكبير، والكنيسة الكاثوليكية، والحسينية، فحين انطلقت أعمال بناء الكنيسة، كان المسلمون في طليعة المتبرعين والبنائين ولما اكتملت، تقدم المسيحيون بدورهم لبناء الجامع دون أن يدعوا أو يحثوا، ثم اجتمع الجميع معاً لإتمام الحسينية.


يروي جوزيف سركون، أحد أبناء المنطقة القدامى، هذه الحكاية بنبرة من يستعيد ذاكرة لا يخشى عليها النسيان: "كل طابوقة في بيوت الله هذه شارك في وضعها المسلم والمسيحي جنباً إلى جنب، حتى استوت هذه الجدران على أعمدتها واحتضنت الصلوات، وتعالت منها أصوات الأذان مع رنين النواقيس في آن واحد".


رمضان في السيسي


لا تنتهي قصة التعايش عند حدود البناء، وإنما متغلغلة في تفاصيل الحياة اليومية، إذ يسترجع أبو عامر، أحد سكان المنطقة، ذكرياته بصوت يكاد يخونه، قائلاً :"في رمضان كنا نتبادل مع جيراننا المسيحيين صحون الطعام، وكانوا يقدسون هذا الشهر كما نقدسه نحن تماماً، كنا نلعب كرة القدم معاً، ونتسامر ونضحك ونحزن بقلب واحد".

ويضيف عادل الدليمي، ابن المنطقة، أن "هذا التلاحم امتد حتى إلى لحظات الصلاة الخاصة، كنا نوصي بعضنا، مسلمين ومسيحيين، بالدعاء لكل منا عند كل صلاة، كان الله الواحد يجمعنا وإن اختلفت طرق التقرب إليه".


عمو بابا وشدراك


أنجبت منطقة السيسي أيقونات رسخت اسمها في ذاكرة العراق الحديث، من أزقتها خرج المدرب الراحل عمو بابا، عراب الكرة العراقية الذي ولد عام 1934 وترعرع في هذه البيئة الجامعة، ومعه اللاعب والمعلق الراحل شدراك يوسف الذي علم العراقيين كيف يحبون الرياضة، فضلاً عن الفنان التشكيلي خالد جبر الذي حمل ريشته من هنا إلى شاشات الوطن.

يقول سامر علي، أحد أبناء المنطقة، بفخر واضح: "نعتز أن مدينتنا أهدت العراق نخبة من رموزه في الرياضة والفن والثقافة"، مضيفاً :"هؤلاء لم يكونوا مسلمين ولا مسيحيين حين قدموا عطاءهم، كانوا عراقيين فحسب".

ورغم رحيل كثيرين من أبناء السيسي، سواء من اضطرتهم الظروف إلى الهجرة أو من غادرتهم الحياة، لكن المنطقة لا تبدو فارغة منهم، ضحكاتهم لا تزال تتردد في الأزقة، وأسماؤهم لا تزال تتداولها الألسن كما لو أنهم لم يغادروا.