الديرة - الرمادي
كشفت مصادر مطلعة داخل الإطار التنسيقي أن الاجتماع الذي عقد يوم أمس، لمناقشة ملف ترشيح نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزراء، انتهى إلى توافق مبدئي على سحب الترشيح، في تطور لافت يأتي بعد أسبوع من زيارة المبعوث الأمريكي الخاص إلى العراق توم براك بغداد، التي أجرى خلالها مباحثات مع كبار القيادات السياسية والقضائية العراقية.
وجاء هذا التطور في ظل ضغوط أمريكية متصاعدة، إذ لم يخف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معارضته الصريحة لعودة المالكي إلى رئاسة الحكومة، محذراً من تداعيات محتملة على مستوى العلاقات الثنائية بين البلدين في حال المضي بهذا الترشيح، إلى جانب الرفض السني المتمثل بزعيم حزب تقدم الرئيس محمد الحلبوسي، وهو ما رسم ضغطاً واضحاً على مواقف عدد من مكونات الإطار التنسيقي الذي بات يبحث عن مخرج سياسي يتيح سحب الترشيح دون إحراج الرجل وقاعدته الانتخابية.
القرار الأهم
لم يكن غياب المالكي عن اجتماع الإطار التنسيقي الأخير مجرد صدفة أو إرهاق من الصيام كما تقول مصادر خاصة لتلفزيون "الديرة"، فهذه المرة الثانية التي يتغيب فيها زعيم ائتلاف دولة القانون عن اجتماع مصيري يتقرر فيه مصيره السياسي.
وبحسب المصادر، انتهى الاجتماع الذي عقد لمناقشة ملف الترشيح إلى توافق مبدئي على سحبه، غير أن الخلاف انتقل إلى مربع آخر لا يقل تعقيداً، إذ بات النقاش منصباً على الآلية الدستورية والسياسية المناسبة للإعلان، بين ثلاثة خيارات متداولة، بيان رسمي من حزب دولة القانون، أو إعلان توافقي باسم الإطار ككل، أو تقديم بديل توافقي يعلن بالتزامن مع الانسحاب، في محاولة لحفظ ماء الوجه السياسي للمالكي وقاعدته الانتخابية.
وغاب عن الاجتماع أيضاً كل من الأمين العام لكتائب سيد الشهداء أبو علاء الولائي، ورئيس المجلس الأعلى الإسلامي همام حمودي، مما يشير إلى عمق التشققات داخل التحالف الشيعي الكبير.
الضربة القاضية
لم تمر زيارة المبعوث الأمريكي توم براك إلى بغداد مرور الكرام، فالرجل الذي التقى رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، وزعيم حزب تقدم الرئيس محمد الحلبوسي، ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني، فضلاً عن المالكي نفسه، حمل في جعبته رسائل أمريكية صريحة تجاوزت حدود الدبلوماسية المعتادة مما دعا المراقبون إلى تسميتها بالزيارة التي تحمل "الضربة القاضية".
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد كرر معارضته الصريحة لترشيح المالكي، محذراً من أن واشنطن قد تعيد النظر في دعمها للعراق إذا مضى الإطار في هذا الخيار، في إشارة واضحة إلى مخاوف أمريكية تتعلق بملفات الفساد والشفافية والتوازن الإقليمي ودور القوى الأجنبية في القرار العراقي.
هذه التحذيرات التي نقلتها رويترز، وضعت الإطار التنسيقي أمام معادلة صعبة، إما الإذعان للضغط الأمريكي وسحب ترشيح المالكي مع ما يترتب على ذلك من تداعيات داخلية، أو المضي قدماِ في ترشيحه ومواجهة تبعات التوتر مع واشنطن في ظرف إقليمي بالغ الحساسية.
عراق جديد في الأفق
في خضم هذه التطورات المتسارعة، وضع رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان يده على جرح دستوري قديم لم يلتئم منذ سنوات، مؤكداً أن الكتلة الأكبر هي تلك الفائزة بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية في الانتخابات، لا تلك التي تتشكل عبر التحالفات والتفاهمات التي تبرم بعد الإعلان عن النتائج.
هذا التفسير القضائي، إن ترجم إلى واقع سياسي، قد يعيد رسم خريطة تشكيل الحكومات العراقية جذرياً، ويفضي إلى نظام رئاسي مختلف يمنح الكتلة الفائزة انتخابياً حق تسمية رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة بمعزل عن التوافقات التي طالما أفرزت حكومات محاصصة هشة.
وتواصل الاجتماعات الثنائية والثلاثية داخل الإطار بشكل شبه يومي، في سعي محموم لتقريب المواقف ومنع انتقال الخلافات إلى الفضاء العام، مع توقعات بأن تشهد الأيام القادمة إعلاناً رسمياً يكشف عن المخرجات النهائية وأسماء المرشحين البديلين.