آخر الأخبار


في الأنبار"الكهوجي" ليس خادماً "أبو صخر" يحمل وصايا الأجداد ودلاله تنتصر على ماكينات "الإسبريسو والجكليتية"

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي

 

قد تملأ محلات القهوة الحديثة بأنواعها الغربية أرصفة المدن وتغري الشباب بعروضها ومسمياتها الجذابة، غير أن في محافظة الأنبار من يرفع حاجبه باستغراب حين تعرض عليه "الچكليتية" أو "الوسط"، ثم يفضل الصمت على الإجابة ويمد يده نحو فنجانه الصغير الذي لا يمتلئ أبداً.. فنجان القهوة العربية المرة.


وقبل أن تلمس القهوة الشفاه، ثمة طقس كامل يسبقها، طقس يبدأ بالنار والجمر والدلال النحاسية ذهبية اللون المنتصبة على الموقد، حيث تتسلل ألسنة اللهب بهدوء لتداعب جوانب الدلال، فيتصاعد عطر البن المحمص ليملأ المضيف قبل أن تصب القهوة في أول فنجان.


وهكذا يبدأ أبو صخر، "الكهوجي" المخضرم، يومه في مضيف الشيوخ، بزيه العربي الأصيل المتشكل من "الصاية" والعقال الأسود المفتول والياشماغ الملقى خلف رأسه، ويتقلد حزامي جلد أحدهما حول كتفيه والآخر حول خصره، ماسكاً بيمينه الدلة وبيساره حفنة من الفناجين البيضاء المزركشة بألوان ناعمة، يدخل المضيف وكأنه يؤدي طقساً مقدساً لا يقبل التسرع.


وللقهوة العربية في الأنبار آداب صارمة لا تقبل المساومة، يشرح أبو صخر هذه الآداب بلهجة من يحفظ وصايا الأجداد: "نبدأ الصب دائماً من يمين المجلس، ونقف أمام الضيف حتى ينتهي من شربه، ولا يجوز أبداً ملء الفنجان، فهي مرة لاذعة وحارة، وحين ينتهي الضيف عليه أن يهز الفنجان إن أراد الاكتفاء، وإلا أعدت الصب دون أن أسأل".


ويؤكد الحاج سند العلواني، أن "الكهوجي لا دلته فحسب، بل يحمل معها ثقل التمثيل الاجتماعي لأصحاب المضيف"، مبيناً أن "الكهوجي يمثل واجهة أصحاب المضيف أمام ضيوفهم القادمين من كل حدب وصوب، لذلك يحظى باحترام لا يمنح لكثيرين، فهو ليس موظفاً يؤدي مهمة، بل هو من أهل الدار، يكرم ويجل، ويشار إليه باعتزاز".


وعن سر هذا الولع بمرارتها، يبتسم الحاج العلواني لتلفزيون "الديرة" ويقول: "مرارة القهوة العربية التي تلذع اللسان تشعرك بنشوة لا تجدها في سواها، إنها أنيسة المجالس والمضايف، وأول ما يكرم به الضيف حين يجلس بين الحاضرين".


الأسواق أيضاً تشرب على طريقتها

لا تحتكر المضايف هذا الشراء العريق؛ ففي أسواق الرمادي والفلوجة وسائر مدن الأنبار، تجد "الكهوجي" يشق طريقه بين المارة، دلته الذهبية في يمينه وفناجينه البيضاء ترن في يساره، فيقبل إليه عشاقها كمن سمعوا نداء لا يقاوم.


يقر أبو محمد، أحد أبناء الرمادي، بأن عالم القهوة تغير كثيراً:"أنواعها باتت لا تحصى وطرق تحضيرها تعددت، لكننا نعود دائماً إلى القهوة العربية المرة المحمصة على الطريقة القديمة، لأنها جزء من هويتنا لا نساوم عليه".


وفي زمن تزاحمت فيه ماكينات الإسبريسو ومستخلصات البن الباردة على رفوف المقاهي العصرية، تظل دلال الأنبار النحاسية شامخة على جمرها، غير مكترثة بكل هذا الضجيج. 


ويضيف أبو محمد أن "مرارتها اللاذعة التي يهرب منها الغرباء هي ذاتها التي يعود إليها أهل الأنبار مراراً، لأنهم ببساطة لا يجدون في سواها ما يشعرهم بالنشوة".