آخر الأخبار


لا نهرب من الواقع.. إنما نعيد تشكيله

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


في بغداد لا تحتاج إلى نشرة أخبار لتدرك أن القلق صار جزءاً من النسيج اليومي، يكفي أن تجلس في مقهى صغير في الكرخ، أو تعبر شارعاً مزدحماً في الرصافة، لتسمع ذات الحديث يتكرر بصيغ مختلفة: حرب قادمة، أزمة تلوح في الأفق، وحذر صار أشبه بغريزة جماعية لا تحتاج إلى تذكير.

لقد تحولت الأزمات عبر تراكم السنوات من أحداث طارئة إلى مكون أصيل في الشخصية العراقية، جيل بعد جيل نشأ وهو يتعلم لا كيف يحلم، بل كيف يدير الخوف، كيف يتكيّف مع المجهول وكيف يهيئ نفسه لسيناريوهات لم يكن له فيها يد، ولا يعرف حتى من يحمله مسؤوليتها، هو فقط يتقن التعبير عن قلقه، يسكبه في حديث، أو نقاش طويل بحثاً عن شيء واحد: شريك في المعاناة او شاهد آخر يثبت له أن ما يشعر به ليس وهماً فردياً، بل حقيقة جماعية.

لكن وعلى بُعد مسافة جغرافية لا تبدو بعيدة على الخريطة، تتشكل صورة أخرى في الأنبار، حيث لا يغيب شبح الأزمات لكنه لا يحتل مركز المشهد، يخرج محافظ الأنبار متحدثاً عن مشاريع، يتنقل بين مواقع العمل وكأن الرسالة المقصودة ليست فقط ما يُبنى من حجر، بل ما يُعاد تشكيله في الوعي.

الأهم من ذلك ليس خطاب المسؤول وحده، بل ما ترسخ في عقل المجتمع، ففي القائم مثلاً تلك النقطة الحدودية البعيدة، حيث يفترض أن يكون القلق أكثر كثافة، تظهر ملامح مختلفة تماماً، شباب يفتتحون مشاريع صغيرة، يروّجون لأعمالهم بإصرار، ويتعاملون مع الواقع كما هو، لا كما يُخشى أن يكون، كأنهم توصلوا مبكراً إلى معادلة بسيطة لكنها حاسمة، الأزمات ليست استثناء في حياة البشر، بل جزء من طبيعتها، سواء كانت حروباً عبثية أو صراعات شخصية.

وهنا يتبدى الفارق الجوهري، في حين ينشغل البعض بإدارة الخوف، انشغل آخرون بإدارة الحياة نفسها، لقد تحولت عقلية الاستمرار في المجتمع الأنباري إلى ما يشبه الثروة غير المرئية، ثروة لا تقل قيمة عن النفط أو الكبريت في باطن الأرض، لأنها تُنتج ما هو أهم: القدرة على البقاء دون أن يفقد الإنسان رغبته في التقدم.

إن المجتمع الذي يختار أن يعيش فكرياً، أن يعيد تعريف علاقته بالأزمات، لا بوصفها نهاية محتملة بل ظرفاً مؤقتاً هو ذاته الذي ينجح في أن يبني واقعه عملياً. فالأفكار في نهاية المطاف، ليست ترفاً ذهنياً بل هي البنية التحتية لكل ما يُقام على الأرض . 

المجتمع الذي يختار أن يفكر خارج سطوة القلق لا يهرب من الواقع، بل يعيد تشكيله، وحين يتغير التفكير يتغير ما يُبنى على الأرض بالضرورة، لأن الحياة في جوهرها لا تُدار بما نخشى وقوعه، بل بما نؤمن بإمكانية صنعه.

هذه قناعة تبدأ من ابسط إنسان في القائم يسعى لرزقه عن طريق بيج، إلى مسؤول يفكر ماذا يحقق غداً.