الديرة - الرمادي
ما شهده العراق اليوم من طوابير أمام وكلاء غاز الطبخ في محافظات مثل الانبار وكركوك وكربلاء والنجف والمثنى، مع شكاوى متكررة من ارتفاع أسعار الأسطوانة الواحدة إلى 15 ألف دينار في بعض الأيام. ومع أن هذه الأزمة لا تنبع كلياً من نقص الإنتاج الوطني، إلا أنها تعكس مشاكل حقيقية في التوزيع، وزيادة الطلب الموسمي، وتأخيرات مؤقتة في التوريد.
لكن السر الحقيقي يكمن تحت الأرض.
ففي صحراء الأنبار، التي يُشار إليها أحياناً بـ”أم الغاز غير المكتشف”، يقع حقل عكاز جنوب القائم، الذي يحتوي على احتياطي مؤكد يبلغ نحو 5.6 تريليون قدم مكعب من الغاز الحر الطبيعي النقي (غير المصاحب للنفط). اكتشف الحقل عام 1992، لكنه بقي عقوداً في حالة انتظار بسبب الظروف الأمنية والعقود والأولويات المتغيرة.
هذا الغاز ليس حلاً سحرياً مباشراً لأسطوانات الطبخ، لكنه مصدر طاقة استراتيجي يمكن أن يغذي محطات الكهرباء، ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويفتح آفاقاً أوسع للتنمية.
في يناير 2026، بدأت العملية فعلياً؛ وقعت وزارة النفط عقداً مع شركة شلمبرجير الأمريكية، وبدأ الحفر في خمس آبار إنتاجية وبئر تقييمية، مع إنشاء مرافق معالجة أولية. الهدف كان إنتاج 100 مليون قدم مكعب قياسي يومياً خلال العام نفسه، على أن يرتفع تدريجياً إلى 400 مليون في المراحل اللاحقة، موجهاً أساساً إلى محطة كهرباء الأنبار المركبة. كان العمل هادئاً ومدروساً، دون ضجيج إعلامي كبير.
غير أن الأعمال توقفت مؤقتاً بحلول مارس 2026، بعد أن علقت الشركة عملياتها لأسباب أمنية في المنطقة النائية قرب الحدود. توقفت الآلات، وبقيت الآبار في مراحلها المبكرة، والغاز لا يزال تحت الأرض، بينما تستمر أزمة غاز الطبخ اليومية في المحافظات، لأنها مرتبطة بسلسلة توزيع محلية منفصلة تماماً عن مشروع عكاز.
الطريق إلى الحل يبدأ بخطوات واضحة ومنطقية:
أولاً: استئناف العمل في حقل عكاز بعد انتهاء التقييم الأمني. المنطقة تحتاج استقراراً يسمح بعودة الفرق الفنية بأمان، مع حماية المواقع بطريقة فعالة وبدون تعقيدات زائدة.
ثانياً: بناء المرافق السطحية تدريجياً؛ استكمال حفر الآبار المتبقية، وتركيب محطات المعالجة المركزية لتحويل الغاز الخام إلى غاز جاف جاهز، وربطها مباشرة بمحطات الكهرباء المحلية في الأنبار. نبدأ بطاقة متواضعة (100 مليون قدم مكعب يومياً) ثم نزيدها خطوة بخطوة حسب التقدم.
ثالثاً: استكشاف وتطوير المواقع الجديدة التي رُصدت في جنوب راوة وعانة والنخيب والثرثار، من خلال فرق محلية مدعومة بشركات ذات خبرة، مع التركيز على الغاز القابل للمعالجة ليصبح جزءاً من سلسلة الغاز السائل للاستخدام المنزلي في المستقبل.
رابعاً: ربط الإنتاج بالاحتياجات اليومية للمواطنين. بدلاً من توجيه كل الغاز للكهرباء أو التصدير، يُخصص جزء منه لمعامل التعبئة المحلية، مع تحسين شبكات التوزيع لتصل إلى الوكلاء بسرعة أكبر وبأقل تلاعب ممكن.
أخيراً: تقييم مستمر وتعديل الخطة حسب النتائج الفعلية، مع إشراك أبناء الأنبار في الوظائف والمراقبة، حتى يشعروا أن هذه الثروة تحت أقدامهم تعود إليهم بالفعل.
ليس هذا حلاً سحرياً يغير الواقع غداً، بل خطة مدروسة تبدأ اليوم وتثمر مع الوقت. الصحراء تنتظر بهدوئها المعتاد، والغاز موجود، والناس صابرون. في العراق، الخطوات الصغيرة المنتظمة هي التي تكبر شيئاً فشيئاً وتحول الإمكانيات إلى واقع.