الديرة - الرمادي
حين تخاف الدولة من مواطنيها تُكثر الحواجز، وحين يثق المواطن بدولته، تختفي الطرق المزدحمة من تلقاء نفسها.
بهذه الحكمة التي لا تُقال كثيراً ولكن تُمارَس يومياً، يمكن أن يُفتح باب الحديث عن سيطرة الصقور، هذه السيطرة هي مشهد مكتمل الأركان من مشاهد الدولة وهي تُحاول أن تُثبت حضورها، ولكن بأدوات تُربك هذا الحضور أكثر مما تُعزّزه.
إذا ما اقتربنا من تفاصيل الصورة، نرى أكثر من زيّ عسكري يقف عند نقطة واحدة: جيش، وأمن وطني، واستخبارات، وحشد شعبي، وغيرهم.. وكل منهم يحمل صفة الحارس على البوابة ذاتها.
وهنا لا تبدو المسألة تنظيمية بقدر ما تبدو تعبيراً عن قلق مزمن، قلق الدولة التي لم تحسم بعد علاقتها بالمواطن: هل تراه شريكاً في الأمن أم موضوعاً للاشتباه؟
في تجارب التاريخ، حتى في لحظات الانهيار الكبرى، كما حدث عقب سقوط ألمانيا النازية، حين كانت بولندا مسرحاً لملاحقة فلول جيش مهزوم، لم تتكاثر الحواجز بهذا الشكل الذي تتعدد فيه الجهات وتتداخل فيه الصلاحيات.
كانت هناك مهمة محددة، وجهة واضحة، وعدو معروف.
أما هنا، فالمشهد مختلف.. العدو غير مُعرف بدقة، والصلاحيات متداخلة، والنتيجة أن السيطرة لم تعد مجرد نقطة تفتيش، بل تحولت إلى حالة يومية من الاحتكاك المتوتر بين المواطن والدولة.
الزمن في تلك السيطرة لا يُقاس بالدقائق، بل يُقاس بمدى ما يتآكل من ثقة الناس.
سيارات تصطف، أعصاب تُستنزف، وتعامل جاف يُعمّق شعوراً قديماً بأن المواطن متهم حتى يثبت العكس.
وهنا تحديداً تكمن الأزمة: ليس في وجود السيطرة، بل في فلسفتها.
المنطق الأمني الرشيد، يقوم على التدرّج:
الجيش في الواجهة، ثم الأمن الوطني عند الضرورة، ثم الاستخبارات في القضايا الأخطر.
لكن حين تجتمع كل هذه الصنوف في نقطة واحدة وبصورة دائمة، فإن الرسالة الضمنية تصبح مختلفة: كأن الدولة تعلن حالة استنفار مستمر ضد فضائها الاجتماعي نفسه.
في الأنبار حيث يُقال إن الاستقرار قد عاد، وحيث تنتشر تشكيلات عسكرية كافية لضبط الأمن، يطرح الواقع سؤالاً مشروعاً:
إذا كان الأمن متحققاً، فلماذا تُدار البوابات بعقلية الطوارئ؟
دعونا لا نذهب بعيداً في الاتهام، لكننا نُلمح إلى حقيقة مُقلقة: ان استمرار هذه الإجراءات، رغم تبدل الظروف، قد لا يكون خطأ إداريا، بل تعبيراً عن خلل أعمق في فهم العلاقة بين الأمن والاستقرار.
الاستقرار لا يُبنى بالحواجز وحدها، بل يُبنى بثقة تتراكم.
وحين تتحول السيطرة إلى عبء يومي، فإنها تُنتج عكس ما أُنشئت من أجله.
ومن هنا يجب ان نتوجه بالسؤال إلى السيد محمد شياع السوداني، ليس بصفته قائدا عاما للقوات المسلحة فحسب، بل بوصفه المسؤول عن إعادة تعريف هذه العلاقة:
هل تبقى السيطرة رمزاً للريبة، أم تتحول إلى إجراء ذكي، خفيف، لا يشعر به المواطن إلا بقدر ما يحميه؟
ذلك هو السؤال الحقيقي.
أما ما عداه، فليس سوى ازدحام على بوابة، تأخر كثيراً في أن يُعاد النظر فيها.