آخر الأخبار


بين "چبس أبو جنة" وكرامة العمل كيف تتحول المناشدة إلى ثقافة

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


ليس هذا الطرح انتصاراً لطرف ولا انتقاصاً من آخر، بل محاولة لفهم مشهد بات يتكرر حتى فقد دهشته: لماذا لا نرى مناشدات مماثلة في مدن الغربية كما نراها في غيرها؟ وكيف تحولت المناشدة في وعينا الجمعي من وسيلة استغاثة إلى ما يشبه الاستجداء العلني؟

في المجتمعات التي تتآكل فيها قيمة المواطن، وحيث يغيب أثر الدولة عن تفاصيل الحياة اليومية، ينشأ جيل مرتبك، بلا وظيفة، بلا أفق واضح، وبلا نموذج يُحتذى به في السلطة. وعندما يغيب المثال الأعلى الحقيقي، يبحث الإنسان عن بديل، حتى لو كان هذا البديل مجرد شخصية افتراضية أو مشهور يكافئ الترويج له، مهما كان هابطاً. ومع تكرار هذا السلوك، يصبح الذل مألوفاً، بل طبيعياً في نظر من اعتاده.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال المجتمع كله بهذه الصورة. فثمة فئة واسعة اختارت طريقاً مختلفاً؛ شباب قرروا أن يبنوا حياتهم بأيديهم، بعيداً عن انتظار ما قد يأتي أو لا يأتي. اتجهوا إلى العمل الحر، إلى البيع الإلكتروني، إلى خدمات التوصيل، وإلى كل ما يمنحهم استقلالاً عن منظومة لم تعد قادرة على احتضانهم.

وهكذا، تشكّلت صورتان متوازيتان:

إحداهما لشباب يناشدون كل من هب ودب، حتى لأبسط الاحتياجات، وكأنهم عالقون في دائرة انتظار لا تنتهي.

وأخرى لشباب كسروا هذه الدائرة، وراهنوا على أنفسهم، فوجدوا في العمل البسيط كرامة ونجاة.

أما في الأنبار، فالمشهد مختلف، فالقيادة والإدارة أقرب إلى المواطن، ومحاولات إشراك الشباب في مفاصل العمل أكثر وضوحاً. هذا القرب يمنح الشاب شعوراً بإمكانية الحصول على فرصة، وظيفة، أو حتى بداية متواضعة يمكن البناء عليها. نعم، الفقر موجود، والبطالة حاضرة، لكن الإحساس بأن الفرصة ممكنة يجعلها أقل قسوة، وأكثر قابلية لأن تكون مرحلة مؤقتة لا قدراً دائماً.

المسألة ليست مقارنة بين محافظات بقدر ما هي سؤال عن الكرامة والفرصة: من ينتظر الفرج من چبس الآخرين، ومن يقرر أن يصنعه بيده. وبين هذا وذاك، تتحدد ملامح جيل كامل، إما أن يعتاد الانكسار، أو يتعلم كيف يقف في أكثر الظروف انكساراً.