آخر الأخبار


بلد على رصيف التاريخ.. من "قلب العالم" إلى "ساحة خردة"

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


قبل فترة وجيزة، رفع أحدهم راية الحرص على الهوية المذهبية في وجه حفل غنائي، هذا الحرص لا يختلف في جوهره عن رفع الراية ذاتها في وجه مرفأ، أو طريق، أو مشفى. الذهنية واحدة، والمسار واحد، والنهاية المحتومة واحدة.

لقد انتبه المجتمع العراقي وإن بشكل متأخر، إلى أن القوى التي خرجت لتستنكر حفلاً غنائياً يوماً ما، لم تكن في حقيقة أمرها سوى الوجه الظاهر لبنية متكاملة، لا تقف عند حدود منع الغناء، بل تمتد بمنطق متسق مخيف، إلى منع الاستثمارات، وإغلاق الأفق الاقتصادي، وكأن ثمة إرادة خفية تُصر على إبقاء العراق خارج الزمن. والأخطر أنها في المسافة الفاصلة بين الهتاف والشعار، مدت يداً من حديد على أراضي الفقراء والبسطاء، أولئك الذين لا سند لهم ولا ظهر .

بات العراق ينسحب شيئاً فشيئاً من العالم، لا بقرار من العالم، بل بفعل داخلي يحيله إلى ما يشبه سرداباً عميقاً، بعيداً عن ضوء المشاريع الكبرى التي تعيد رسم خرائط المنطقة. وبلغت المفارقة ذروتها في مشهد طريق التنمية الجديد، ذلك الشريان البري الذي سيصل الخليج بتركيا والأردن وسوريا ثم أوروبا، لكنه يستثني العراق وكيانه السياسي من حساباته، في إشارة تكاد تكون نهائية إلى أن أحداً في الخارج لم يعد يراهن على الداخل، ولا يريد أن يدفع ثمن عبثه. إنها لحظة التجسيد الأقصى لمقولة إنك قد تكون موجوداً على الخريطة، وغائباً عن الفعل.

في هذه الأثناء وفيما العالم من حولنا يشكل تكتلات اقتصادية عملاقة، وينسج شبكات مصالحه، نجد أنفسنا حبيسي دورة لا نهائية من العبارات الطائفية التي لا تُبقي ولا تذر، والمحتوى الهابط الذي يُفرغ العقول، ولغة التخوين الجاهزة التي تُصادر النوايا. نخوض حروباً كلامية هامشية، فيما التاريخ يتجاوزنا. والأدهى أننا تحولنا بفعل هذا كله، إلى بؤرة تبعية ثقيلة لدولة لا تعترف بنا ككيان مستقل، ولا ترى فينا سوى ساحة ومجال، وهكذا نبقى ندور حول أنفسنا. وبينما القوافل تسير في الخارج، والعالم يزدهر على مرمى البصر من حدودنا، نبقى نحن مقيدين بماضي لا نجرؤ على خلعه، وأوهام لا نجرؤ على نقدها، منتظرين قافلة عبرت ولن تعود.