آخر الأخبار


واشنطن لا تبارك مجانا

  • A+
  • A-

 الديرة - الرمادي


السفارة الأمريكية في بغداد تبارك لرئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، وتحثه على الإسراع في تشكيل حكومة وطنية قادرة على تلبية مطالب العراقيين.

لكن السؤال الأهم، لماذا باركت أمريكا؟

واشنطن لا تبدو هنا كمن يوزع التهاني ببراءة دبلوماسية، بل كمن يختبر اتجاه السفينة قبل أن يقرر إن كان سيترك الدفة أو يشد قبضته عليها أكثر. خلال الفترة الماضية، مارست الولايات المتحدة ضغطاً واضحاً على القوى العراقية لمنع عودة المالكي، وربطت هذا الضغط بضرورة تقديم مرشح أكثر قبولاً داخلياً وخارجياً، تزامن ذلك مع خطوات عملية: توقف شحنات نقدية أمريكية، وتصاعد الضغط على بغداد بسبب الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، مع رسالة ضمنية واضحة، أي دعم مستقبلي سيكون مشروطاً بقدرة الحكومة على كبح هذه القوى.

هنا يتبلور السؤال الحقيقي: هل نحن أمام فرصة أخيرة؟

الأدق أنها ليست مهلة مُعلنة، لكنها تبدو كاختبار أخير قبل انتقال أمريكي نحو مزيد من التشدد، فالمشهد المحيط لا يترك مجالاً للالتباس، الحكومة المقبلة ستواجه ملفات ثقيلة، السلاح غير المنضبط، والضغط الاقتصادي الناتج عن اضطراب الإقليم، وكل ذلك يجري في ظل صراع أعمق على تعريف الدولة نفسها.

بمعنى آخر، التهنئة الأمريكية ليست شهادة حسن سلوك، بل رسالة باردة تقول: نحن نراقب وننتظر، ونريد أفعالاً لا وعوداً.

أمريكا لا تنظر إلى بغداد كحكومة جديدة فحسب، بل كساحة لإعادة ترتيب موازين القوى، فمنذ 2003 والعراق يعيش بين نفوذ أمريكي قديم ونفوذ إيراني تمدد داخل مؤسسات الدولة والمشهد السياسي، والتكليف الجديد جاء بعد اصطفاف داخلي بالغ الحساسية، وبعد أن تحول اسم المالكي من ورقة سياسية إلى عبء.

علي الزيدي، بصفته رجل أعمال لم يتورط سابقاً في المناصب التنفيذية، لا يُنظر إليه كرجل صدام مباشر، بل كشخصية قابلة للاختبار، إن نجح في لجم الجماعات المسلحة وتخفيف احتكاك بغداد بالمحاور الدولية، فقد يتحول إلى نقطة توازن. وإن فشل ستصبح التهنئة مجرد إجراء بروتوكولي سبق العاصفة.

امريكا لم تبارك لأنها مطمئنة، بل لأنها تريد أن ترى: هل تستطيع هذه الحكومة أن تفعل ما عجزت عنه سابقاتها؟

أن تعيد السلاح إلى يد الدولة، أن تخفف من ثقل النفوذ الإيراني، وأن تثبت أن بغداد ليست مجرد مساحة عبور بين ضغطين.

التهنئة إذن ليست خاتمة المشهد ، بل افتتاحيته الحقيقية.