الديرة - الرمادي
بين الحين والآخر تبرز إشارات لا ينبغي أن تمر مرور الكرام، لأنها تكشف عن خلل عميق في بنية العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، أو بالأحرى بين السلطة ومنتجي الحياة الأساسيين.
إن ما استنكره رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي من إجراءات قاسية بحق فلاحين خرجوا للمطالبة بمستحقاتهم المؤجلة، ليس مجرد خبر في دورة إخبارية مزدحمة، بل هو وميض يكشف عن مأزق وجودي في العلاقة بين من يزرع الأرض ومن يدير شؤون الدولة.
والحقيقة أن هذا الاستنكار، يحمل في طياته ما هو أبعد من كونه تعبيراً عن تعاطف سياسي مع شريحة مهمشة، ذلك أن حزب تقدم كان قد اتخذ قبل أيام خطوة عملية لدعم الفلاحين والدفع باتجاه صرف استحقاقاتهم، مما يعكس انتقالاً من مربع رد الفعل إلى مربع الفعل نفسه، وهذا فارق جوهري في قراءة المشهد.
حين يُضرب الفلاح ويُهان وهو يطالب بحقه الطبيعي، فإن الرسالة التي تبعثها الدولة، بوعي أو بغير وعي، هي أن المنتج الحقيقي للثروة لا قيمة له في معادلة السلطة، وحين يحدث هذا، فإننا لا نواجه أزمة فلاحين فحسب، بل نواجه أزمة مفهوم الدولة ذاته.
فالفلاح في أي مجتمع سليم، ليس مجرد منتج للغذاء، بل هو حارس الأمن القومي بمعناه الاستراتيجي العميق، هو ابن الأرض التي تستند عليها الشعوب وقت أزماتها، كما تقول الحكمة القديمة، وحين يتحول هذا الحارس إلى متهم، أو إلى زبون ينتظر الصدقة، فإن الخلل لا يكمن في المطالبين، بل في من يديرون المنظومة.
إن المسألة تتجاوز بكثير مشكلة تأخير المستحقات أو مشاكل التسعير والقروض، رغم أهميتها القصوى. المسألة تتعلق بسؤال جوهري: من الذي سيعمل مع الدولة إذا كانت المطالبة بالمستحقات تُقابل بالإهانة؟ من سيزرع الأرض إذا كان جزاؤه الضرب بدلاً من الشكر؟ من سيبقى في القرى إذا كانت رحلة إنتاج الغذاء محفوفة بالمهانة؟
إهانة الفلاح لا تقل عن إهانة الاقتصاد الوطني والأمن الغذائي بأكمله، بل هي في عمقها تفريط في السيادة نفسها، فالأمة التي لا تحترم من يطعمها، هي أمة تضع قدمها على طريق الاعتماد على الخارج، وما يتبع ذلك من تبعية سياسية وتراجع في القرار الوطني المستقل.
والمفارقة المؤلمة أن العراق الذي قامت حضارته الأولى على الزراعة، والذي علم البشرية فنون الري والزرع، يعامل اليوم فلاحيه وكأنهم عبء عليه، لا ثروته الحقيقية.
إن الموقف الذي عبر عنه رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، وسبقه إليه حزب تقدم بخطوات عملية، يضع الجميع أمام مسؤولية إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومنتجي الغذاء، ليس من باب المنّة أو الشفقة، بل من باب إدراك أن الأمن الغذائي هو جوهر الأمن الوطني.