الديرة - الرمادي
في اجتماع استثنائي عقد مساء الاثنين في منزل زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم بمنطقة الجادرية ببغداد، كشف رئيس الوزراء علي الزيدي عن رؤية اقتصادية طموحة توصف بأنها الأكثر جرأة منذ سنوات، فيما وافقت عليها قوى الإطار التنسيقي بالإجماع، في مشهد يعد نادراً بمعايير الحسابات السياسية العراقية المعقدة.
الرؤية التي قدمها الزيدي، الذي أثار جدلاً واسعاً قبل أيام بدعوته إلى "الخروج من العقلية الاشتراكية"، لا تقف عند حدود الإصلاح المالي التقليدي، إنها مشروع متكامل يمتد من إعادة هيكلة الدين العام إلى ملاحقة كبار الفاسدين، ومن مراجعة سعر الصرف إلى حصر السلاح بيد الدولة.
غير أن السؤال الذي يطرحه المراقبون بإلحاح: هل ينجح الزيدي فيما عجز عنه من سبقه؟
جبل الديون
نقلت صحيفة المدى عن مصادر مطلعة أن محور الخطة الأول يستهدف معالجة الدين العام الذي تجاوز 83 مليار دولار داخلياً وخارجياً، وذلك عبر تحويل ملكية المؤسسات الحكومية المثقلة بالديون إلى القطاع الخاص، بهدف تخفيف الأعباء المالية عن خزينة الدولة.
وكانت أحدث بيانات وزارة المالية قد كشفت أن الدين الداخلي وحده تجاوز 96 تريليوناً و629 مليار دينار، فيما يزيد الدين الخارجي على عشرة مليارات دولار.
وزاد من ثقل هذا المشهد تصريح الزيدي بأنه لم يجد في خزينة الدولة سوى تريليون دينار لحظة تسلّمه السلطة، في رواية تتناقض مع ما أكده رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي من تسليمه الخزينة وبداخلها نحو مئة تريليون دينار.
لكن هذا الطريق لا يخلو من ألغام، فقد حذّر الدكتور نبيل المرسومي، أستاذ الاقتصاد في جامعة المعقل بالبصرة، من أن بيع الأصول قد يتحوّل إلى بوابة جديدة للهدر بدلاً من أن يكون أداةً للإنقاذ، مستنداً إلى أن مؤسسة حكومية تبلغ قيمتها الفعلية مئة مليون دولار قد تباع بربع هذا المبلغ في ظل ضعف الرقابة وارتفاع مستويات الفساد.
وأشار إلى أن هذا الخيار طرح أيضاً إبان حكومة السوداني، ورافقته التحذيرات ذاتها دون أن تتغير النتائج.
الدولار يعود إلى الواجهة
النقطة الأكثر إثارةً في خطة الزيدي، وفق ما رصدته المدى، تتعلق بملف سعر الصرف الذي عاد بقوة إلى طاولة النقاش.
وتشير المصادر إلى أن رئيس الوزراء طرح مقترحاً برفع سعر الدولار مجدداً، دون الإفصاح عن الرقم المقترح في الاجتماع.
وللملف تاريخ حاضر بثقله، ففي عام 2023 خفض السوداني سعر الصرف إلى 1300 دينار للدولار وثبّته، في قرار كلّف الخزينة نحو 15 تريليون دينار سنوياً أضيفت إلى العجز الممول بالاقتراض.
وقبله، رفعت حكومة الكاظمي عام 2020 السعر من 1180 إلى 1450 ديناراً للدولار، في قرار أثار موجة واسعة من الاحتجاجات الشعبية آنذاك.
ويبدو أن العودة إلى هذا الملف باتت حتمية في ضوء تصريحات وزير الخارجية فؤاد حسين التي أقر فيها باضطرار الدولة إلى طباعة 25 تريليون دينار لتأمين الرواتب والالتزامات المالية الأساسية، وهو مؤشر خطير على عمق الأزمة التي تواجهها الحكومة الجديدة.
نسخة "ريتز كارلتون" العراقية
المسار الثالث في خطة الزيدي هو الأكثر إثارة سياسياً، ملاحقة كبار الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، في تجربة تستحضر ما عُرف بحملة "ريتز كارلتون" التي نفذتها المملكة العربية السعودية قبل سنوات.
وقد بدأت المؤشرات الأولى مع اعتقال عدنان الجميلي، حيث أعلن عن ضبط عشرات العقارات والأموال والأسلحة.
وفي سياق متصل، أصدرت محكمة بداءة الكرخ حكماً يلزم النائب الأسبق جمال الكربولي بدفع 4.5 ملايين دولار، فيما تتداول أوساط سياسية معلومات عن إمكانية إحالة وزراء ووكلاء ومسؤولين كبار إلى القضاء، بل تذهب بعض التسريبات إلى الحديث عن مساءلة السوداني نفسه، وهو ما ينفيه أنصاره ويصفونه بأنه انعكاس لصراع خفي داخل الإطار التنسيقي.
وتشير التقديرات المتداولة إلى أن الدولة قد تستعيد ما يصل إلى 50 مليار دولار إذا نجحت الحملة.
وهو رقم يبدو طموحاً في ضوء تجارب الإخفاق السابقة، أبرزها محاولة حكومة الكاظمي عقد تسويات مع متهمين بالفساد على قاعدة استرداد نصف الأموال مقابل إسقاط التهم، وهي تجربة لم تفض إلى نتائج ملموسة.
وكان وزير المالية الأسبق علي علاوي قد قدر أن نحو 250 مليار دولار سرقت من العراق منذ عام 2003، أي ما يكفي نظرياً لبناء دول كاملة.
على الضفة الأخرى، أكد القيادي في الإطار التنسيقي عامر الفايز لصحيفة المدى أن الكتل السياسية تعهدت بدفع نوابها لدعم التشريعات المطلوبة لإنجاح المشروع الإصلاحي، مشيراً إلى أن الفارق اليوم عن الحكومات السابقة يكمن في الاستقرار الأمني النسبي والاتجاه الجاد نحو إصلاح القطاع المصرفي.
غير أن المراقبين يذكرون بأن الوعود الإصلاحية في العراق لم تكن يوماً شحيحة، فيما كانت النتائج الملموسة هي الأكثر ندرة.